ابن المقفع

84

آثار ابن المقفع

يستعظم وحقارته حتى يفارقه ، كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ويكرمه ما دام على رأسه ، فإذا فارق رأسه استقذره ورفضه . يا نفس لا تملي من عيادة المرضى ومداواتهم ، واعتبري كيف يجهد الرجل أن يفرج عن مضيم واحد « 1 » كربة واحدة ويستنقذه منها رجاء الأجر . فكيف بالطبيب الذي يفعل كثيرا من ذلك مع كثيرين ، إن هذا الخليق أن يعظم رجاؤه ويوثق منه بحسن الثواب . يا نفس لا يبعد عليك أمر الآخرة فتميلي إلى العاجلة في استعجال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي كان له ملء بيت من الصندل « 2 » فقال : إن بعته وزنا طال عليّ فباعه جزافا « 3 » بأبخس الثمن . وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكل على كل عاد « 4 » وله عدو ومغتاب « 5 » وفيه واقع . فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلا وعرفت أني إن صدقت أحدا منهم لا علم لي بحاله كنت في ذلك كالمصدق المخدوع . مثل المصدق المخدوع زعموا فيه أن سارقا علا ظهر بيت رجل من الأغنياء وكان معه جماعة من أصحابه ، فاستيقظ الرجل من وطئهم فأيقظ امرأته فأعلمها بذلك وقال لها : رويدا إني لأحسب اللصوص علوا على البيت فأيقظيني بصوت يسمعه اللصوص وقولي : ألا تخبرني ، أيها الرجل ، عن أموالك

--> ( 1 ) مضيم : اللاحق به الضيم أي الظلم . ( 2 ) الصندل : حب طيب الرائحة . ( 3 ) جزافا : هدرا بلا فائدة . ( 4 ) عاد : معتد . ( 5 ) مغتاب : قادح في غيره وهو غائب .