ابن المقفع
82
آثار ابن المقفع
المال ، أم الذكر ، أم اللذات ، أم الآخرة ؟ وكنت وجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه لا ينبغي إلا أجر الآخرة . فرأيت أن أطلب الاشتغال بالطب ابتغاء الآخرة ورجاء أجر المنقلب « 1 » ، لا أبتغي مكافأة الدنيا ولا تعجيلها ، لئلا أكون كالتاجر الذي باع ياقوتة ثمينة ، كان يصيب بثمنها غنى الدهر ، بخرزة لا تساوي شيئا . مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك حظه من الدنيا ، وأن مثله مثل الزارع الذي يبذر حبه في الأرض ويعمرها « 2 » ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب ، ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب مع ناضر « 3 » الزرع ، فأقبلت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة . فلم أدع مريضا أرجو له البرء ، وآخر لا أرجو له ذلك ، إلا أني أطمع أن يخف عنه بعض المرض ، إلا بالغت في مداواته جهدي . ومن قدرت على القيام عليه « 4 » قمت عليه بنفسي ، ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له ما يصلح وأعطيته من الدواء ما يتعالج به وأمرته بالذي ينبغي . ولم أرد ممن فعلت معه ذلك جزاء ولا مكافأة . ولم أغبط « 5 » أحدا من نظرائي « 6 » الذين هم مثلي في العلم ولا من هم فوقي في الجاه والمال وغيرهما مما لا يعود بصلاح ولا حسن سيرة قولا ولا عملا . ولما كانت نفسي تتوق إلى ذلك وتنازعني « 7 » في أن تنال مثل منالهم كنت آبى لها إلا الخصومة وأقول لها : يا نفس أما تعرفين نفعك من ضرك ؟ ألا تنتهين عن طلب ما لا يناله أحد إلا قلّ انتفاعه به ، وكثر عناؤه فيه ، واشتدت المؤونة « 8 » عليه ، وعظمت المشقة لديه بعد فراقه ؟ يا نفس ، أما تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ما تشرهين
--> ( 1 ) المنقلب : العاقبة . ( 2 ) يعمرها : يصلحها . ( 3 ) ناضر : خصيب . ( 4 ) القيام عليه : ملازمته والقيام بشأنه . ( 5 ) اغبط : أتمنى مثل حاله . ( 6 ) نظرائي : أمثالي . ( 7 ) تنازعني : تجاذبني . ( 8 ) المؤونة : الثقل والشدة .