ابن المقفع

71

آثار ابن المقفع

مثل الرجل الصابر على اللص ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه ينبغي له أن يعمل بما علم منه لينتفع به ويجعله مثالا لا يحيد عنه . فإذا لم يفعل ذلك كان مثله كالرجل الذي زعموا أن سارقا تسور عليه « 1 » وهو نائم في منزله . فعلم به فقال : واللّه لأسكتن حتى أنظر ما ذا يصنع ، ولا أذعره « 2 » ولا أعلمه اني علمت به . فإذا بلغ مراده قمت إليه فنغصت « 3 » ذلك عليه . ثم إنه أمسك عنه وجعل السارق يتردد ، وطال تردده في جمعه ما يجده . فغلب الرجل النعاس فنام وفرغ اللص مما أراد وأمكنه الذهاب ، فاستيقظ الرجل فوجد اللص قد أخذ المتاع وفاز به . فأقبل على نفسه يلومها وعرف أنه لم ينتفع بعلمه باللص إذ لم يستعمل في أمره ما يجب . وقد يقال : إن العلم لا يتم إلا بالعمل ، وإن العلم كالشجرة والعمل به كالثمرة . وإنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به ، وإن لم يستعمل ما يعلم فليس يسمى عالما بطريق مخوف ، ثم سلكه على علم به سمي جاهلا . ولعله إن حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواء « 4 » هجمت بها فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها . ومن ركب هواه ورفض أن يعمل بما جربه هو ، أو أعلمه به غيره كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره « 5 » على أكل رديئه وترك ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته .

--> ( 1 ) تسور عليه : دخل عليه واثبا عن سور بيته ( 2 ) أذعره : افزعه . ( 3 ) نغصت : كدرت ( 4 ) أهواء : جمع هوى وهو ميل النفس . ( 5 ) الشره : شدة الحرص على الطعام .