ابن المقفع
61
آثار ابن المقفع
رأيت رجلا أرصن عقلا ولا أحسن أدبا ، ولا أصبر على طلب حاجة ولا أكتم للسر منك ولا أحسن خلقا ولا سيما في بلاد غربة ومملكة غير مملكتك ، وعند قوم لم تكن تعرف سننهم ولا شيمهم « 1 » . واعلم أن عقل الرجل يستبين في هذه الثماني خصال : الأولى الرفق والتلطف . والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها . والثالثة طاعة الملوك وأن يتحرى ما يرضيهم . والرابعة معرفة الرجل موضع سره كيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه . والخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديبا حيّلا « 2 » ملق اللسان . والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظا . والسابعة أن يكون على لسانه قادرا فلا يلفظ من الكلام إلا ما قد تروّى فيه وقدره فلا يطلع عليه إلا الثقة . والثامنة أن لا يتكلم إذا كان في المحفل عما لم يسأل عنه ولا يقول ما لم يستيقنه ولا يظهر من الأمر ما يندم عليه . فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي إلى الخير والربح والمجتنب الشر والخسران . وهذه الخصال كلها بينة ظاهرة فيك واضحة لي منك فاللّه يحفظك ويمتعني بمودتك . ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الثماني كان أهلا أن يشفع في طلبته ويسعف بحاجته ويعطى سؤله « 3 » . ولكن حاجتك التي تطلب قد أرعبتني وأدخلت عليّ الوحشة والخشية فنسأل اللّه السلامة . فلما عرف برزويه أن الهندي قد علم أن مصادقته إياه كانت مكرا وختلا « 4 » لطلب حاجته وأنزل ذلك منه منزلة اختلاس وسلب فلم يزجره « 5 » ولم ينتهره ولكنه رد ردا لينا كرد الأخ على أخيه باللين والإشفاق حتى اطمأن ووثق بقضاء حاجته . ثم قال للهندي : إني قد كنت هيأت كلاما كثيرا ووضعت له أصولا وشعّبت فيه شعابا وشجّنت له
--> ( 1 ) شيمهم : صفاتهم . ( 2 ) حيلا : أي صاحب حيل ولباقة . ( 3 ) سؤله : طلبه . ( 4 ) ختلا : خداعا . ( 5 ) يزجره : يمنعه .