ابن المقفع

46

آثار ابن المقفع

أقصد في كلامي له ، وإنما نفعه وشرفه راجع إليه ، وأكون قد قضيت فرضا وجب علي فأقول : أيها الملك ، إنك في منازل آبائك وأجدادك من الجبابرة الذين أسسوا الملك قبلك ، وشيدوه دونك « 1 » ، وبنوا القلاع والحصون ، ومهدوا البلاد وقادوا الجيوش واستجاشوا « 2 » العدة ، وطالت لهم المدة ، واستكثروا من السلاح والكراع « 3 » وعاشوا الدهور في الغبطة « 4 » والسرور ، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب جميل الذكر ، ولا قطعهم عن اغتنام الشكر ، واستعمال الإحسان إلى من خولوه « 5 » ، والرفق بمن ولوه ، وحسن السيرة فيما تقلدوه ، مع عظم ما كانوا فيه من غرة « 6 » الملك وسكرة الأقدار . وإنك أيها الملك السعيد جده ، الطالع كوكب سعده ، قد ورثت أرضهم وديارهم وأموالهم ومنازلهم التي كانت عدتهم ، فأقمت فيما خولت من الملك وورثت من الأموال والجنود ، ولم تقم في ذلك بحق ما يجب ، عليك ، بل طغيت وبغيت ، وعتوت وعلوت على الرعية ، وأسأت السيرة وعظمت منك البلية . وكان الأولى والأشبه « 7 » بك أن تسلك سبيل أسلافك ، وتتبع آثار الملوك قبلك ، وتقفو « 8 » محاسن ما أبقوه لك ، وتقلع « 9 » عما عاره لازم لك ، وشينه « 10 » واقع بك ، وتحسن النظر برعيتك ، وتسن لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره ، ويعقبك الجميل فخره ، ويكون ذلك أبقى على السلامة ، وأدوم على الاستقامة . فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر والأمنية « 11 » ، والحازم اللبيب من ساس الملك بالمداراة والرفق . فانظر ، أيها الملك ، فيما ألقيت إليك ، ولا يثقلن ذلك عليك . فلم أتكلم بهذا ابتغاء عرض . تجازيني به ، ولا

--> ( 1 ) دونك : قبلك ( 2 ) استجاشوا : جمعوا ( 3 ) الكراع : الدواب . ( 4 ) الغبطة : حسن الحال والسرور ( 5 ) خولوه : ملكوه ( 6 ) غرة : الاسم من الاغترار . ( 7 ) الأشبه : الأليق ( 8 ) تقفو : تتبع . ( 9 ) تقلع : تكف ( 10 ) شينه : ضد الزين ( 11 ) الأمنية : التعلل بالآمال .