ابن المقفع
330
آثار ابن المقفع
إذا هممت بخير فبادر هواك لا يغلبك وإذا هممت بشر فسوّف هواك لعلك تظفر فان ما مضى من الأيام والساعات على ذلك هو الغنم . لا يمنعنك صغر شأن امرئ من اجتناء ما رأيت من رأيه صوابا والاصطفاء لما رأيت من أخلاقه كريما فان اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها . من أبواب الترفق والتوفيق في التعليم ان يكون وجه الرجل الذي يتوجه فيه العلم والأدب فيما يوافق طاعة ويكون له عنده محمل وقبول ، فلا يذهب عناؤه في غير غناء ولا تفنى أيامه في غير درك ولا يستفرغ نصيبه فيما لا ينجع فيه ، ولا يكون كرجل أراد ان يعمر أرضا تهمة « 1 » فغرسها جوزا ولوزا . . . وأرضا جلسا « 2 » فغرسها نخلا وموزا . العلم زين لصاحبه في الرخاء ومنجاة له في الشدة . بالأدب تعمر القلوب وبالعلم تستحكم الأحلام ، فالعقل الذاتي غير الصنيع كالأرض الطيبة الخراب . ومما يدل على معرفة اللّه ( وهو ) سبب الإيمان أن يوكل بالغيب لكل ظاهر من الدنيا صغير أو كبير عينا فهو يصرفه ويحركه ، فمن كان معتبرا بالجليل من ذلك فلينظر إلى السماء فيعلم أن لها ربا يجري فلكها ويدبر امرها . ومن اعتبر بالصغير فلينظر إلى حبة الخردل فيعرف أن لها مدبرا ينبتها ويزكيها ويقدر لها أوقاتها من الأرض والماء يوقّت لها زمان نباتها وزمان تهشمها . وامر النبوة والأحلام وما يحدث في أنفس الناس من حيث لا يعلمون ثم يظهر منهم بالقول والفعل ، ثم اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضلال على ذكر اللّه تعالى وتعظيمه واجتماع من شك في اللّه تعالى وكذّب به على الاقرار بأنهم انشئوا حديثا ومعرفتهم أنهم لم يحدثوا أنفسهم فكل ذلك يهدي إلى اللّه ويدل على الذي كانت منه هذه الأمور مع ما يزيد ذلك يقينا عند المؤمنين بان اللّه حق كبير ولا يقدر أحد انه باطل .
--> ( 1 ) تهمة : الأرض المنصوبة إلى البحر . ( 2 ) الجلس : الأرض الغليظة .