ابن المقفع
325
آثار ابن المقفع
وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والاخدان ، فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه فإنه كما أن كلام الحكمة يونق الاسماع فكذلك عمل الحكمة يروق العيون والقلوب ، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال والتفصيل من معلم الناس ومؤدبهم . ولاية الناس بلاء عظيم . وعلى الوالي اربع خصال هي أعمدة السلطان وأركانه التي بها يقوم وعليها يثبت - الاجتهاد في التخير - والمبالغة في التقدم - والتعهد الشديد - والجزاء العتيد . اما التخير للعمال والوزراء فإنه نظام الامر ووضع مؤونة البعيد المنتشر ، فإنه عسى ان يكون بتخيره رجلا واحدا قد اختار ألفا لأنه من كان من العمال خيارا فسيختار كما اختير ، ولعل عمال العامل وعمال عماله يبلغون عددا كثيرا ، فمن تبين التخير فقد اخذ بسبب وثيق ومن اسّس امره على غير ذلك لم يجد لبنيانه قواما . واما التقديم والتوكيل فإنه ليس كل ذي لب أو ذي أمانة يعرف وجوه الأمور والاعمال ولو كان بذلك عارفا لم يكن صاحبه حقيقا ان يكل ذلك إلى علمه دون توقيفه عليه ، وتبينه له والاحتجاج عليه به ، واما التعهد فان الوالي إذا فعل ذلك كان سميعا بصيرا وان العامل إذا فعل ذلك به كان متحصنا حريزا واما الجراء فإنه تثبيت المحسن والراحة من المسئ . لا يستطاع السلطان الا بالوزراء والأعوان ولا ينفع الوزراء الا بالمودة والنصيحة ولا المودة الا مع الرأي والعفاف ، واعمال السلطان كثيرة وقلما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد ، وانما الوجه في ذلك والسبيل الذي يستقيم به العمل ان يكون صاحب السلطان عالما بأمور من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل من الرأي والغناء ، وما فيه من العيوب فإذا استقر ذلك عنده عن علمه وعلم من يأتمن وجّه لكل عمل من قد