ابن المقفع
306
آثار ابن المقفع
أهبتك لبغتاتها . اعلم أن من أوقع الأمور في الدين وانهكها للجسد واتلفها للمال واضرها بالعقل واسرعها في ذهاب الجلالة والوقار الغرام بالنساء ، ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفك يأجم ما عنده وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن . وإنما النساء أشباه وما يرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة ، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن وإنما المترغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس كالمترغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس ، بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام وما في رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلا وتفاوتا مما في رحالهم من النساء . ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس في لبه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها فيصور لها في قلبه الحسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر . . . ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح وأدمّ الدمامة فلا يعظه ذلك عن أمثالها ولا يزال مشغوفا بما لم يذق ، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة لظن أن لها شأنا غير شأن ما ذاق وهذا هو الحمق والشقاء ، ومن لم يحم نفسه ويظلفها ويجلها عن الطعام والشراب والنساء في بعض ساعات شهوته وقدرته كان أيسر ما يصيبه من وبال امره انقطاع تلك اللذات عنه بخمود نار شهوته وضعف عوامل جسده . . . وقلّ من تجد إلا مخادعا لنفسه في امر جسده عن الطعام والشراب والحمية والدواء وفي امر مروءته عند الأهواء والشهوات وفي امر دينه عند الريبة والشبهة والطمع . ان استطعت ان تنزل نفسك دون غايتك في كل مجلس ومقام ومقال ورأي وفعل فافعل ، فان رفع الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها