ابن المقفع
30
آثار ابن المقفع
ويبدو من كلام ابن المقفع انه أفاد من كلام الناس المحفوظ ، فأجراه في الكتابين ، وان الحروف التي أجراها وأخرجها فيها عون على عمارة القلوب وصقالها ، وتجلية لابعادها واحياء للتفكير ، وإقامة للتدبير ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق . . « 1 » ويقول في الأدب الكبير : إنه لم يجد الأولين غادروا شيئا « 2 » ولم يجد واصف بليغ في صفة له مقالا لم يسبقوه اليه ، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور ، فيها مواضع لصغار الفطن ، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ، ومن ذلك بعض ما انا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس ! ! والحق انه أفاد مما سمع ، وزاد عليه من عنده ، وتوسع في الكلمة الصغيرة ، واللفتة القصيرة ، حتى أخرجهما للناس على الوجه الكامل الدقيق . . والأدب الكبير كتاب كامل له وحدة وموضوع ، والموضوع مقسم إلى قسمين : القسم الأول في علاقة الراعي بالرعية . . والثاني في علاقة الرعية بعضها ببعض . . والأدب الصغير مؤلف من قسمين أيضا مقدمة وموضوع ، فأما المقدمة فيذكر الكاتب فيها حاجة العقل إلى الأدب ، وتأثير هذا الأدب في إنماء العقل . . واما موضوع الكتاب فقد قال ابن المقفع : انه محفوظ وانه اخذه من غيره ، واجراه بأسلوبه . . فان مضيت في قراءة الكتابين وجدت المؤلف قد شارك في معارف عصره كما يبدو ، فإلى جانب الثقافة الفارسية الغالبة تحس بالأثر اليوناني ، وباللفتة الإسلامية والحديث الكريم ، فيما تقرأ من العظات ومكارم الأخلاق . .
--> ( 1 ) الأدب الصغير . ( 2 ) الأدب الكبير