ابن المقفع
288
آثار ابن المقفع
إذا اعتذر إليك معتذر فتلقه بوجه مشرق وبشر طليق ، إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة . اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا ، زينة في الرخاء ، وعدة في الشدة . ومعونة في المعاش والمعاد ، فلا تفرطن في اكتسابهم وابتغاء الوصلات والأسباب إليهم . اعلم انك واجد رغبتك من الإخاء عند أقوام قد حالت بينك وبينهم بعض الأبهة « 1 » . التي قد تعتري أهل المروآت فتحجز منهم كثيرا ممن يرغب في أمثالهم فإذا رأيت أحدا من أولئك قد عثر به الزمان فأقله . إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ولا تكثرن من الدعاء له في كل كلمة فإن ذلك شبيه بالوحشة والغربة إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا تأل عما عظمه ووقره . . . . إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على شعبة من قرابة أو مودة فافعل ، فإن اخطأك ذلك فاعلم أنك تعمل على عمل السخرة وان استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك منهم بصالح مروءتك « 2 » قبل ولايته فافعل . ان الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته فأما إذا ولي فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع ، وكلهم يحتال لأن يثنى عليه عنده بما ليس فيه ، غير أن الأرذال والأنذال هم أشد لذلك تصنعا وعليه مكابرة وفيه تمحلا ، فلا يمتنع الوالي وان كان بليغ الرأي والنظر من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار ، وكثير من الخانة بمنزلة الامناء وكثير من الغدرة بمنزلة الأوفياء ، ويغطى عليه امر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنع .
--> ( 1 ) الأبهة كسكرة العظمة والنخوة ( 2 ) المروءة بضم الميم آداب نفسانية تحمل الانسان على الوقوف عند محاسن الاخلاق وجميل العادات وقد تشدد فيقال مروة .