ابن المقفع
280
آثار ابن المقفع
ان يقتدي بسيرتهم ، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا ، ان ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور . . ومنهم يستمع غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل « 1 » في آرائهم والمنتقى من أحاديثهم . . . ولم نجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في صفة له مقالا لم يسبقوه اليه ، لا في تعظيم اللّه عز وجل وترغيب فيما عنده ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها ولا في تحرير صنوف العلم وتقسيم اقسامها وتجزئة اجزائها وتوضيح سبلها وتبيين مآخذها ولا في وجوه الأدب وضروب الأخلاق فلم يبق في جليل من الامر لقائل بعدهم مقال ، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ومن ذلك بعض ما انا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس . يا طالب الأدب اعرف الأصول والفصول فان كثيرا من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول فلا يكون دركهم دركا ، ومن احرز الأصول اكتفى بها عن الفصول ، وان أصاب الفصل بعد احراز الأصل فهو أفضل . فأصل الامر في الدين ان تعتقد الايمان على الصواب وتجتنب الكبائر وتؤدي الفريضة فالزم ذلك لزوم من لا غناء به عنه طرفة عين ، ومن يعلم أنه ان حرمه هلك . . ثم إن قدرت ان تجاوز ذلك إلى التفقه في الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل . وأصل الامر في اصلاح الجسد الا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه الا خفافا ، وان قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضاره والانتفاع بذلك فهو أفضل .
--> ( 1 ) المنتخل : المختار .