ابن المقفع
272
آثار ابن المقفع
تكلمت بكلام عقل وحكمة ، ولكن الذي بلغ بك ذلك وفور عقلك وحسن ظنك ، وقد حققت ظننا فيك ورجاءنا لك ، وقد عرفنا ما ذكرت وصدقناك فيما وصفت ، والذي ساق اللّه إليك من الملك والكرامة كنت اهلا له لما قسم اللّه تعالى لك من العقل والرأي ، وان أسعد الناس في الدنيا والآخرة من رزقه اللّه رأيا وعقلا ، وانما أحسن اللّه الينا بقضائه إذ وفقك لنا عند موت ملكنا وكرّمنا بك . ثم قام شيخ آخر فحمد اللّه عز وجل واثنى عليه وقال : ان شأن القضاء والقدر لكما ذكرت . مثل السائح واني كنت أخدم وانا غلام ، قبل ان أكون سائحا ، رجلا من اشراف الناس ، فلما بدا لي رفض الدنيا فارقت ذلك الرجل وقد كان أعطاني من اجرتي دينارين ، فأردت ان أتصدق بأحدهما واستبقي الآخر ، فأتيت السوق فوجدت مع رجل من الصيادين زوجي هدهد فساومته فيهما لاطلقهما ، فأبى الصياد ان يبيعهما الا بدينارين فاجتهدت ان يبيعنيهما بدينار واحد فأبى . فقلت في نفسي : اشتري أحدهما واترك الآخر ثم قلت : لعلهما يكونان زوجين ذكرا وأنثى فأفرق بينهما . فأدركني لهما رحمة فتوكلت على اللّه وابتعتهما بدينارين ، وأشفقت إن ارسلتهما في ارض عامرة ان يصادا ولا يستطيعا ان يطيرا مما لقيا من الجوع والهزال ، ولم آمن عليهما الآفات ، فانطلقت بهما إلى مكان كثير المرعى والأشجار ، بعيد عن الناس والعمران ، فارسلتهما فطارا ووقعا على شجرة مثمرة . فلما صارا في أعلاها شكرا إلي ، وسمعت أحدهما يقول للآخر : لقد خلصنا هذا السائح من البلاء الذي كنا فيه ، واستنقذنا من الهلكة ، وانا لخليقان ان نكافئه بفعله . وان في أصل هذه