ابن المقفع
261
آثار ابن المقفع
16 النّاسك والضّيف قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف : قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله ، ويطلب غيره فلا يدركه ، ويرجع إلى الذي كان عليه فلا يقدر عليه ، فيبقى حيران مترددا . قال الفيلسوف : زعموا أنه كان بأرض الكرخ ناسك عابد مجتهد ، فنزل به ضيف ، ذات يوم ، فدعا الناسك لضيفه بتمر ليطرفه به فأكلا منه جميعا ثم قال الضيف : ما أحلى هذا التمر وأطيبه فليس هو في بلادي التي أسكنها وليته كان فيها ، ثم قال : أرى ان تساعدني على أن آخذ منه ما أغرسه في أرضنا ، فإني لست عارفا بثمار أرضكم هذه ولا بمواضعها . قال له الناسك : ليس لك في ذلك راحة ، فإنه يثقل عليك ولعل ذلك لا يوافق أرضكم مع أن بلادكم كثيرة الأثمار فما حاجة مع كثرة ثمارها إلى التمر مع وخامته وقلة مناسبته للجسد ، ثم قال له الناسك : إنه لا يعد سعيدا من طلب ما لا يجده ، وإنك سعيد الجد إذا قنعت بالذي تجد وتزهد في ما لا تجد . وكان هذا الناسك يحسن العبرانية فسمعه الضيف يتكلم بها مرة فاستحسن كلامه وأعجبه ، فتكلف ان يتعلمه ، وعالج في ذلك نفسه أياما .