ابن المقفع

251

آثار ابن المقفع

يستحق هذا ؟ إنما أحمد الناس عقلا من إذا نزلت به النازلات ، كان لنفسه أشد ضبطا وأكثرهم استماعا من أهل النصح حتى ينجو من تلك النازلة بالحيلة والعقل والبحث والمشاورة ، فعظيم الذنب لا يقنط من الرحمة . ولا تدخلن عليك شيئا من الهم والحزن فإنهما لا يردان شيئا مقضيا ، إلا أنهما ينحلان الجسم ويشفيان العدو ، والصبر عند نزول المصيبة عبادة وسوف تحمد أمرك إن أخبرتني . قال لها الملك : لا تسأليني عن شيء فقد شققت علي ، والذي تسألينني عنه لا خير فيه لأن عاقبته هلاكي وهلاكك وهلاك كثير من أهل مملكتي ومن هو عديل نفسي ، وذاك أن البراهمة زعموا أنه لا بد من قتلك وقتل جوير وكثير من أهل مودتي ولا خير في العيش بعدكم ، وهل أحد يسمع بهذا إلا اعتراه الحزن . فلما سمعت ذلك إيراخت جزعت ، ومنعها عقلها أن تظهر للملك جزعا فقالت : أيها الملك ، لا تجزع ، فنحن لك الفداء ، ولك في سواي ومثلي ما تقر به عينك ؛ ولكني أطلب منك ، أيها الملك ، حاجة يحملني على طلبتها حبي لك وإيثاري إياك ، وهي نصيحتي لك . قال الملك : وما هي ؟ قالت : أطلب منك ألا تثق بعدها بأحد من البراهمة ، ولا تشاورهم في أمر حتى تتثبت في أمرك ثم تشاور ثقاتك مرارا ، فإن القتل أمر عظيم ولست تقدر على أن تحيي من قتلت . وقد قيل في الحديث : إذا لقيت جوهرا لا خير فيه فلا تلقه من يدك حتى تريه من يعرفه . وأنت أيها الملك ، لا تعرف أعداءك ، واعلم أن البراهمة لا يحبونك وقد قتلت منهم بالأمس اثني عشر ألفا ، ولا تظن أن هؤلاء ليسوا من أولئك . ولعمري ما كنت جديرا أن تخبرهم برؤياك ولا أن تطلعهم عليها ، وإنما قالوا لك ما قالوا لأجل الحقد الذي بينك وبينهم ، لعلهم يهلكون أحباءك ووزيرك فيبلغوا قصدهم منك ، وأظنك لو قبلت