ابن المقفع
246
آثار ابن المقفع
ما أرى وأسمع لك ، أما إنه لم ينزل بك ما نزل إلا لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكرك فيها ، وجهالتك بما يرجع عليك من ضرها . فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشعهر عرفت أن ذلك مما جنت على نفسها ، وأن عملها كان جورا وظلما . فتركت الصيد وانصرفت عن أكل اللحم إلى أكل الثمار والنسك والعبادة . فلما رأى ذلك ورشان « 1 » ، كان صاحب تلك الغيضة ، وكان عيشه من الثمار ، قال لها : قد كنت أظن أن الشجر عامنا هذا لم تحمل لقلة الماء ، فلما أبصرتك تأكلينها وأنت آكلة اللحم فتركت رزقك وطعامك وما قسم اللّه لك وتحولت إلى رزق غيرك فانتقصته ودخلت عليه فيه ، علمت أن الشجر العام أثمرت كما كانت تثمر قبل اليوم ، وإنما أتت قلة الثمر من جهتك ، فويل للشجر ، وويل للثمار ، وويل لمن عيشهم منها ، ما أسرع هلاكهم إذا دخل عليهم في أرزاقهم وغلبهم عليها من ليس له فيها حظ ، ولم يكن معتادا لأكلها . فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الورشان تركت أكل الثمار وأقبلت على أكل العشب والعبادة . وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما انصرف بضر يصيبه عن ضر الناس ، كاللبؤة التي انصرفت لما لقيت في شبليها عن اكل اللحم ، ثم عن أكل الثمار بقول الورشان ، وأقبلت على النسك والعبادة . والناس أحق بحسن النظر في ذلك فإنه قد قيل : ما لا ترضاه لنفسك لا تصنعه لغيرك ، فان في ذلك العدل ، وفي العدل رضى اللّه تعالى ورضى الناس .
--> ( 1 ) ورشان : طائر .