ابن المقفع
237
آثار ابن المقفع
لست بواحد منهما : إما مصانع « 1 » ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته وإما هين « 2 » لا يحسده أحد . وأما من أراد ان يخدم السلطان بالصدق والعفاف غير خالط ذلك بمصانعته فقل أن يسلم على ذلك ، لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد . أما الصديق فينافسه « 3 » في منزلته ويبغي عليه « 4 » فيها ويعاديه لأجلها ويشي « 5 » عليه كذبا . فإذا لقيت الوشاية أذنا واعية « 6 » من الملك كان في ذلك هلاكه . وأما عدو السلطان فيضطغن عليه « 7 » لنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه فيعمل على هلاكه ويتربص به ريب المنون « 8 » فإذا اجتمع عليه هذان الصنفان فقد تعرض للهلاك . قال الأسد : لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في نفسك « 9 » ، فأنت معي وأنا أكفيك ذلك « 10 » وأبلغ بك من درجات الكرامة والإحسان على قدر همتك . قال ابن آوى : إن كان الملك يريد الإحسان إليّ فليدعني في هذه البرية أعيش آمنا قليل الهم راضيا بعيشي من الماء والعشب فإني قد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه من الأذى والخوف في ساعة واحدة ما لا يصل إلى غيره في طول عمره ، وأنه يتصل اليه النفع ساعة واحدة ثم هو في الخوف سرمدا « 11 » وإن قليلا من العيش في أمن وطمأنينة خير من كثير من العيش في خوف ونصب « 12 » .
--> ( 1 ) مصانع : مداهن مدلس . ( 2 ) هين : من الهوان اي ذليل . ( 3 ) ينافسه : يغالبه في أن يكون أنفس منه . ( 4 ) يبغي عليه : يظلمه . ( 5 ) يشي : من الوشاية وهي الافساد . ( 6 ) واعية : قايلة لما تسمع . ( 7 ) يضطغن : من الضغينة اي يحقد ( 8 ) يتربص به الريب : ينتظر به حوادث الدهر ليتمكن منه . ( 9 ) يعرض في نفسك : يخطر في بالك . ( 10 ) أكفيك ذلك : ادفعه عنك . ( 11 ) سرمدا : ابدا . ( 12 ) نصب : تعب .