ابن المقفع

229

آثار ابن المقفع

الرأي قد نهوا عن قرب الموتور « 1 » ، فإنه لا يزيدك لطف الحقود ولينه وتكرمته إياك إلا وحشة منه وسوء ظن به . فإنك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق لك من الذعر منه ولا أجود من البعد عنه ، والاتقاء له أولى . وقد كان يقال : إن العاقل يعد أبويه أصدقاء والاخوة رفقاء ، والأزواج ألفاء « 2 » ، والبنين ذكرا ، والبنات خصماء ، والأقارب غرماء ، ويعد نفسه فريدا وحيدا . وأنا الفريد الوحيد ، الغريب الطريد قد تزودت من عندكم عبئا ثقيلا لا يحمله معي أحد ، وأنا ذاهب فعليك مني السلام . قال له الملك : إنك لو لم تكن قد اجتزيت « 3 » منا فيما صنعناه بك أو كان صنيعك بنا من غير ابتداء منا بالغدر كان الأمر كما ذكرت ؛ وأما إذ كنا نحن قد بدأناك فما ذنبك وما الذي يمنعك من الثقة بنا ، هلم فارجع ، فإنك آمن . قال فنزة : أعلم أن الأحقاد لها في القلوب مواضع ممكنة موجعة ، فالألسن لا تصدق في خبرها عن القلوب ، والقلب أعدل شهادة على اللسان من اللسان على القلب ، وقد علمت أن قلبي لا يشهد للسانك بصدقه ولا قلبك للساني . قال الملك : ألا تعلم أن الضغائن « 4 » والأحقاد تكون بين كثير من الناس ؟ فمن كان ذا عقل كان على إماتة الحقد أحرص منه على تربيته . قال فنزة : إن ذلك لكما ذكرت ، ولكن لا ينبغي لذي الرأي مع ذلك أن يظن أن الموتور الحقود ناس ما وتر به أو مصروف عنه ، وذو الرأي يتخوف المكر والخديعة والحيل ويعلم أن كثيرا من العدو

--> ( 1 ) الموتور : من قتل له قتيل ولم يؤخذ بثأره . ( 2 ) الالفاء : جمع أليف أي خليط وعشير . ( 3 ) اجتزيت : اخذت الجزاء . ( 4 ) الضغائن : الأحقاد .