ابن المقفع
224
آثار ابن المقفع
وتوانيت « 1 » في حاجتي فما ذلك من فعل الصالحين ، فإن الكريم لا يتوانى في حق صاحبه . وقد كان لك في سابق مودتي من الفائدة والنفع ما قد رأيت وأنت حقيق « 1 » ان تكافئني بذلك ولا تذكر العداوة التي بيني وبينك فالذي بيني وبينك من الصلح حقيق ان ينسيك ذلك مع ما في الوفاء من الفضل والاجر ، وما في الغدر من سوء العاقبة ، فان الكريم لا يكون الا شكورا غير حقود تنسيه الخلة « 2 » الواحدة من الإحسان الخلال الكثيرة من الإساءة . وقد يقال : ان اعجل العقوبة عقوبة الغدر ، ومن إذا تضرع اليه وسئل العفو فلم يرحم ولم يعف فقد غدر . قال الجرذ : ان الصديق صديقان : طائع ومضطر ، وكلاهما يلتمسان المنفعة ويحترسان من المضرة ، فأما الطائع فيسترسل « 3 » إليه ويؤمن في جميع الأحوال ، وأما المضطر ففي بعض الأحوال يسترسل إليه وفي بعضها يتحذر منه . ولا يزال العاقل يرتهن منه بعض حاجاته لبعض ما يتقي ويخاف ، وليس غاية التواصل من كل من المتواصلين إلا طلب عاجل النفع وبلوغ مأموله . وأنا واف لك بما وعدت ومحترس منك مع ذلك من حيث اخافك تخوف ان يصيبني منك ما ألجأني خوفه إلى مصالحتك والجأك إلى قبول ذلك مني ، فإن لكل عمل حينا ، فما لم يكن منه في حينه فلا حسن لعاقبته . وأنا قاطع حبائلك كلها غير اني تارك عقدة ارتهنك بها ، ولا اقطعها الا في الساعة التي اعلم انك فيها عني مشغول وذلك عند معاينتي الصياد . ثم إن الجرذ اخذ في قطع حبائل السنور . فبينما هو كذلك إذ وافى الصياد ، فقال له السنور : الآن جاء وقت الجد في قطع حبائلي . فجهد الجرذ نفسه في القرض حتى إذا فرغ وثب السنور إلى الشجرة على دهش « 4 » من الصياد ودخل وكره .
--> ( 1 ) حقيق : أهل . ( 2 ) الخلة : الخصلة . ( 3 ) يسترسل : يطمأن . ( 4 ) دهش : حيرة .