ابن المقفع

222

آثار ابن المقفع

في الورطة فنجوا باصطلاحهما جميعا من الورطة والشدة . قال الملك : وكيف كان ذلك ؟ قال بيدبا : زعموا ان شجرة عظيمة كان في أصلها جحر سنور يقال له : رومي . وكان قريبا منه جحر جرذ يقال له : فريدون . وكان الصيادون كثيرا ما يتداولون « 1 » ذلك المكان يصيدون فيه الوحش والطير . فأتى ، ذات يوم ، صياد فنصب حبالته « 2 » قريبا من موضع رومي ، فلم يلبث ان وقع فيها ، فخرج الجرذ يدب ويطلب ما يأكل وهو حذر من رومي . فبينما هو يسعى إذ بصر به في الشرك فسر واستبشر ، ثم التفت فرأى خلفه ابن عرس يريد اخذه ، وفي الشجرة بوم يريد اختطافه ، فتحير في امره وخاف إن رجع وراءه اخذه ابن عرس ، وإن ذهب يمينا أو شمالا اختطفه البوم ، وإن تقدم امامه افترسه السنور . فقال في نفسه : هذا بلاء قد اكتنفني ، وشرور تظاهرت « 3 » علي ، ومحن قد أحاطت بي ؛ وبعد ذلك فمعي عقلي فلا يفزعني أمري ، ولا يهولني « 4 » شأني ، ولا يلحقني الدهش « 5 » ، ولا يذهب قلبي شعاعا « 6 » . فالعاقل لا يفرق « 7 » عند سداد « 8 » رأيه ولا يعزب « 9 » عنه ذهنه على حال . وإنما العقل شبيه بالبحر الذي لا يدرك غوره « 10 » ؛ ولا يبلغ البلاء من ذي الرأي مجهوده « 11 » فيهلكه ؛ وتحقق الرجاء لا ينبغي ان يبلغ منه مبلغا يبطره ويسكره فيعمى « 12 » عليه أمره . لست أرى لي من هذا البلاء مخلصا إلا مصالحة السنور فإنه قد نزل به من البلاء مثل ما قد نزل بي أو بعضه . ولعلنا ان

--> ( 1 ) يتداولون ذلك المكان : يأتونه مرارا . ( 2 ) حبالته : شركه . ( 3 ) تظاهرت : تعاونت . ( 4 ) يهولني : يفزعني . ( 5 ) الدهش : الحيرة . ( 6 ) شعاعا : متفرقا . ( 7 ) يفرق : يخاف . ( 8 ) سداد : إصابة . ( 9 ) يعزب : يبعد . ( 10 ) غوره : قعره . ( 11 ) مجهوده : غايته . ( 12 ) يعمى : يلتبس .