ابن المقفع

22

آثار ابن المقفع

الجاحظ ليس مثلا يحتذى أيضا حتى يومنا هذا . . وقد اعترف الأستاذ حمزه بأن الجاحظ كان معجبا بشخصية ابن المقفع ، وانه كان حاقدا عليها . . معجب بها لأنها غذته ، حاقد عليها لأنه كثيرا ما تعرض لنقدها ، فلم يستطع ان يصرف الناس عنها إلا بعد عناء شديد . . وإذ كان ابن المقفع قد أثّر فيما كتبه في كثير من الأدباء الذين أتوا بعده ، فترسموا طريقته في ضروب الحكمة ، وارسال الأمثال والكلام عن الاخلاق ، والسلطان ، كابن قتيبة وابن عبده ربه في العقد الفريد ، وسراج الملوك للطرطوشي ، ونهاية الأرب للنويري ، فإني لا أجد تأثيره قويا في الجاحظ إلا من حيث إنه قرأه وارتضى أسلوبه ، ولكنه لم يسلك طريقته المثالية . . فاسلوب الجاحظ طلي مثير ساخر ، جزل ، عملي واقعي ، يصور لك عصره في كتبه أحسن تصوير وأصدقه . . تحسّ وأنت تقرأه انك أمام دائرة معارف ، قد أحاط صاحبها بعلوم عصره . . وتلمس وأنت تطالع مؤلفاته انك أمام كاتب ملك زمام الأدب في عهده ، وسيطر عليه ، ليس لمجالسه الأدبية مثيل ولا لحديثه قرين من قريب أو بعيد . . وكذلك سيطر ابن المقفع على عصره بأسلوبه ، كما سيطر بعده الجاحظ على عصره بمثل ذلك . . المجالس الأدبية وكانت المجالس الأدبية في الماضي والحاضر . . عبارة عن هذه المجتمعات التي تضم أرباب العقول ، والمختارين في مختلف العلوم والفنون ، يجتمعون في قصور الخلفاء والملوك والأمراء والعلماء ، فيتجاذبون أطراف الحديث ، ويعرضون لمختلف العلوم والفنون ، ويتبسطون في الطريف الشارد من النوادر والاخبار والملح ، وقد يشتد الجدل أحيانا ، وتحمر الوجوه . . ولكن في سبيل البحث