ابن المقفع

211

آثار ابن المقفع

وطالت غيبة الغيلم عن زوجته فجزعت « 1 » عليه وشكت ذلك إلى جارة لها وقالت : قد خفت ان يكون قد عرض له عارض سوء فاغتاله « 2 » . فقالت لها : إن زوجك في الساحل قد ألف قردا وألفه القرد فهو مؤاكله ومشاربه « 3 » ، وهو الذي قطعه عنك ولا يقدر ان يقيم عندك حتى تحتالي لهلاك القرد . قالت : وكيف أصنع ؟ قالت جارتها : إذا وصل إليك فتمارضي « 4 » ، فإذا سألك عن حالك فقولي إن الأطباء وصفوا لي قلب قرد . ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة ، فقال لها : ما لي أراك هكذا ؟ فأجابته جارتها وقالت : ان زوجتك مريضة مسكينة ، وقد وصف لها الأطباء قلب قرد وليس لها دواء سواه . قال الغيلم : هذا امر عسير ، من اين لنا قلب قرد ونحن في الماء ؟ وبقي متحيرا . ثم قال في نفسه : ما لي قدرة على ذلك إلا أن اغدر بخليلي وصاحبي وإثمه « 5 » عندي شديد ، وأشد من ذلك هلاك زوجتي ، لأن الزوجة الصالحة لا يعد لها شيء ، لأنها عون على أمر الدنيا والآخرة . ثم عاد إلى الساحل حزينا كئيبا مفكرا في نفسه كيف يصنع . فقال له القرد : يا أخي ما حبسك عني ؟ قال له الغيلم : ما حبسني عنك إلا حيائي ، فلم اعرف كيف أكافئك على إحسانك اليّ . وأريد ان تتم احسانك إلي بزيارتك لي في منزلي فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة ، فاركب ظهري لأسبح بك ، فان أفضل ما يلتمسه المرء من اخلائه ان يغشوا « 6 » منزله وينالوا من طعامه وشرابه ويعرفهم أهله وولده وجيرانه ، وأنت لم تطأ « 7 » منزلي ولم تذق طعاما ولا شرابا ، وذلك منقصة وعار علي .

--> ( 1 ) جزعت : قلقت . ( 2 ) اغتاله : أهلكه . ( 3 ) مؤاكله ومشاربه : آكل وشارب معه . ( 4 ) تمارضي : اظهري انك مريضة . ( 5 ) اثمه ؛ ذنبه . ( 6 ) يغشوا : يزوروا . ( 7 ) تطأ : تدوس .