ابن المقفع
206
آثار ابن المقفع
مظهرا للكآبة والحزن . فقال له أحدها : ما لي أراك ، أيها الأسود ، كئيبا حزينا ؟ قال : ومن احرى « 1 » بطول الحزن مني ؟ وإنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيب من الضفادع فابتليت « 2 » ببلاء حرمت عليّ الضفادع من اجله حتى إني إذا التقيت ببعضها لا أقدر على امساكه . فانطلق الضفدع إلى ملك الضفادع فبشره بما سمع من الأسود . فأتى ملك الضفادع إلى الأسود فقال له : كيف كان امرك ؟ قال : سعيت منذ أيام في طلب ضفدع وذلك عند المساء فاضطررته « 3 » إلى بيت ناسك ودخلت في اثره في الظلمة وفي البيت ابن للناسك ، فأصبت إصبعه فظننت انها الضفدع فلدغته فمات فخرجت هاربا فتبعني الناسك في اثري ودعا علي ولعنني وقال : كما قتلت ابني البريء ظلما وتعديا ادعو عليك ان تذل وتصير مركبا لملك الضفادع فلا تستطيع اخذها ولا اكل شيء منها الا ما يتصدق به عليك ملكها . فأتيت إليك لتركبني مقرا بذلك راضيا به . فرغب ملك الضفادع في ركوب الأسود . وظن أن ذلك فخر له وشرف ورفعة ، فركبه واستطاب « 4 » ذلك . فقال له الأسود : قد علمت أيها الملك ، اني محروم ، فاجعل لي رزقا أعيش به . قال ملك الضفادع : لعمري لا بد لك من رزق يقوم بك إذا كنت مركبي . فأمر له بضفدعين يؤخذان في كل يوم ويدفعان اليه . فعاش بذلك ولم يضره خضوعه للعدو الذليل بل انتفع بذلك وصار له رزقا ومعيشة . وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه التماسا لهذا النفع العظيم الذي اجتمع لنا فيه الامن والظفر وهلاك العدو والراحة منه . ووجدت
--> ( 1 ) أحرى : أولى ، أجدر . ( 2 ) ابتليت : أصبت وامتحنت . ( 3 ) اضطررته : أحوجته . ( 4 ) استطابه : وجده طيبا اي لذيذا .