ابن المقفع

191

آثار ابن المقفع

الملك رسله ورواده « 1 » في طلب الماء في كل ناحية فرجع إليه بعص الرسل فقال له : إني قد وجدت بمكان كذا عينا يقال لها عين القمر كثيرة الماء . فتوجه ملك الفيلة بأصحابه إلى تلك العين ليشرب منها هو وفيلته ، وكانت العين في أرض للأرانب فوطئن الأرانب في اجحارهن فاهلكن منهن كثيرا فاجتمعت الأرانب إلى ملكها فقلن له : قد علمت ما أصابنا من الفيلة ؟ فقال : ليحضر منكن كل ذي رأي رأيه . فتقدمت أرنب من الأرانب يقال لها فيروز ، وكان الملك يعرفها بحسن الرأي والأدب ، فقالت : إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويرسل معي أمينا ليسمع ويرى ما أقول ويرفعه إلى الملك . فقال لها الملك : أنت أمينة ونرضى بقولك ، فانطلقي إلى الفيلة وبلغي عني ما تريدين ، واعلمي ان الرسول برأيه وعقله ولينه وفضله يخبر عن عقل المرسل ، فعليك باللين والرفق والحلم والتأني فإن الرسول هو الذي يلين الصدور إذا رفق « 2 » ، ويخشن الصدور إذا خرق « 3 » . ثم إن الأرنب انطلقت في ليلة قمراء « 4 » حتى انتهت إلى الفيلة ، وكرهت أن تدنو منهن مخافة أن يطأنها بأرجلهن فيقتلنها وإن كن غير متعمدات « 5 » ، فأشرفت « 6 » على الجبل ونادت ملك الفيلة وقالت له : إن القمر أرسلني إليك والرسول غير ملوم فيما يبلغ وإن أغلظ في القول . قال ملك الفيلة . فما الرسالة ؟ قالت : يقول لك إنه من عرف فضل قوته على الضعفاء فاغتر في ذلك بالأقوياء قياسا لهم على الضعفاء كانت قوته وبالا « 7 » عليه . وأنت قد عرفت فضل قوتك على الدواب فغرك ذلك فعمدت إلى العين التي تسمى باسمي فشربت منها ورنقتها « 8 » ، فأرسلني إليك أنذرك أن لا تعود إلى مثل ذلك ، وأنه إن فعلت

--> ( 1 ) رواد : جمع رائد وهو الرجل يرسله القوم ليختبر لهم مكانا ( 2 ) رفق : لطف ولان . ( 3 ) خرق : ضد رفق . ( 4 ) قمراء : مقمرة . ( 5 ) متعمدات : قاصدات . ( 6 ) أشرفت : أطلت . ( 7 ) وبالا : سوء عقبى . ( 8 ) رنقتها : كدرتها .