ابن المقفع
172
آثار ابن المقفع
سريع اتصالها ، بطيء انقطاعها . ومثل ذلك الكوز الذهب بطيء الانكسار سريع الإعادة ، هين الاصلاح إن أصابه ثلم أو كسر . والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها ، بطيء اتصالها ، ومثل ذلك مثل الكوز الفخار سريع الانكسار ينكسر من أدنى شيء ولا وصل له أبدا . والكريم يود الكريم واللئيم لا يود أحدا إلا عن رغبة أو رهبة « 1 » . وأنا إلى ودك ومعروفك محتاج لأنك كريم وأنا ملازم لبابك غير ذائق طعاما حتى تؤاخيني « 2 » . واعلم أني لو كنت أشاء ضرك لفعلت حين كنت محلقا « 3 » فوق رأسك عندما كنت تقطع حبائل الحمام . قال الجرذ : قد قبلت إخاءك فإني لم أردد أحدا عن حاجة قط ، وإنما بلوتك « 4 » بما بلوتك به إرادة التوثق « 5 » لنفسي . فإن غدرت بي لم تقل إني وجدت الجرذ ضعيف الرأي سريع الانخداع . ثم خرج من جحره فوقف عند الباب ، فقال له الغراب : ما يمنعك من الخروج إليّ والاستئناس بي أو في نفسك بعد مني ريبة ؟ قال الجرذ : ان أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين ويتواصلون عليهما وهما ذات النفس « 6 » وذات اليد « 7 » فالمتبادلون ذات النفس هم الأصفياء « 8 » ، وأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون الذين يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض . ومن كان يصنع المعروف لبعض منافع الدنيا فإنما مثله فيما يبذل ويعطي كمثل الصياد وإلقائه الحب للطير لا يريد بذلك نفع الطير وإنما نفع نفسه . فتعاطي ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد ، وإني واثق منك
--> ( 1 ) رهبة : خوف . ( 2 ) تؤاخيني : تصادقني . ( 3 ) محلقا : مرتفعا . ( 4 ) بلوتك : امتحنتك واختبرتك . ( 5 ) التواثق : اخذ الوثيقة اي الاحتياط والتحفظ . ( 6 ) ذات النفس : السريرة المضمرة والعاطفة . ( 7 ) ذات اليد : المال . ( 8 ) الأصفياء : الأصدقاء .