ابن المقفع

159

آثار ابن المقفع

قلة عقلك ؛ وما مثلك في ذلك إلا مثل رجل قال لامرأته انظري إلى عريك وبعد ذلك انظري إلى عري غيرك . قيل له : وكيف كان ذلك ؟ مثل الحراث وامرأتيه قال دمنة : زعموا أن مدينة أغار عليها العدو فقتل وسبى « 1 » وغنم وانطلق إلى بلاده . فاتفق أنه كان مع جندي مما وقع في قسمته رجل حراث ومعه امرأتان له . وكان هذا الجندي يسيء إليهم في الطعام واللباس . فذهب الحراث ذات يوم ومعه امرأتاه يحتطبون « 2 » للجندي وهم عراة ، فأصابت « 3 » إحدى المرأتين في طريقها خرقة بالية فاستترت بها ثم قالت لزوجها : ألا تنظر إلى هذه القبيحة لا تستحي وتستتر ؟ قال لها زوجها لو بدأت بالنظر إلى نفسك ، وأن جسمك كله عار لما عيرت صاحبتك بما هو بعينه فيك ! وشأنك عجب ، أيها القذر ذو العلامات الفاضحة القبيحة ! ثم العجب من جرأتك على طعام الملك وقيامك بين يديه مع ما بجسمك من القذر والقبح ؛ ومع ما تعرفه أنت ويعرفه غيرك من عيوب نفسك ! أفتتكلم في النقي الجسم الذي لا عيب فيه ؟ ولست أنا وحدي أطلع على عيبك ، لكن جميع من حضر قد عرف ذلك . وقد كان يحجزني عن إظهاره ما بيني وبينك من الصداقة ، فأما إذ قد كذبت عليّ وبهتني « 4 » في وجهي وقمت بعداوتي فقلت ما قلت فيّ بغير علم وعلى رؤوس الحاضرين ، فإني اقتصر على إظهار ما أعرف من عيوبك وتعرفه الجماعة . وحق على من عرفك حق معرفتك أن يمنع الملك من استعماله إياك على طعامه .

--> ( 1 ) سبى : أسر . ( 2 ) يحتطبون : يجمعون حطبا . ( 3 ) أصابت : وجدت . ( 4 ) بهتني : قلت علي ما ليس في .