ابن المقفع

152

آثار ابن المقفع

فأعطاه إياها . ولما أتى الليل اسرع فلبسها ومر من حيث كان يمر المصور . فلما رآه الخازن لم يشك في مجيئه فرمى له بالصرة فتناولها وانطلق . فرجع بالملاءة إلى خادم المصور فدفعها إليه فوضعها موضعها وكان المصور عن بيته غائبا . فلما عاد إلى منزله لبس الملاءة على عادته وتراءى للخازن ، فعجب من رجوعه ولم يكن لديه ما يرمي له به وانصرف المصور بلا شيء . ثم تلاقيا بعد ذلك فقال له المصور : لم لم ترم لي بالصرة ؟ قال : أو لم تمر قبيل مرورك ورميت لك بها ؟ فرجع المصور إلى منزله فدعا خادمه وتوعده « 1 » بالقتل أو يخبره بالحقيقة ، فأخبره بالقصة ، فأخذ الملاءة فأحرقها . وإنما ضربت لك هذا المثل إرادة ألا يعجل الملك في أمري بشبهة . ولست أقول هذا كراهة للموت فإنه وإن كان كريها لا منجى منه ، وكل حيّ هالك . وإنما العلماء قد قالوا : من اقترف « 2 » خطيئة أو إثما ثم أسلم نفسه إلى القتل من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك ، عفا اللّه عنه وأنجاه في الآخرة من عذاب النار . ولو كانت لي مئة نفس وأعلم أن هوى الملك في إتلافهن ، طبت له بذلك نفسا . فقال بعض الجند : لم ينطق بهذا لحبه الملك ولكن لخلاص نفسه والتماس العذر لها . فقال له دمنة : ويلك ، وهل عليّ في التماس العذر لنفسي عيب ؟ وهل أحد أقرب إلى الانسان من نفسه ؟ وإذا لم يلتمس لها العذر فمن يلتمسه ؟ لقد ظهر منك ما لم تكن تمتلك كتمانه من الحسد والبغضاء . ولقد عرف من سمع منك أنك لا تحب لأحد خيرا وأنك عدو نفسك فمن سواها بالأولى . فمثلك لا يصلح ان يكون مع البهائم فضلا عن أن يكون مع الملك وان يكون ببابه . فلما أجابه دمنة بذلك خرج مكتئبا

--> ( 1 ) توعده : تهدده . ( 2 ) اقترف : ارتكب .