ابن المقفع
149
آثار ابن المقفع
السر خير من أن يبقى على هذا الخائن « 1 » دمنة الذي أدخل الفساد بينك وبين الثور بمكره وفجوره . فلو كتم أمره لنجا من العقاب على فعله ولخيف منه أكثر من هذه الفعلة من عمله . وقد أمر العلماء بالعفو عن الجاني والصفح عن المذنب ، ولكنهم قد نهوا عن اغتفار الجرم « 2 » العظيم والذنب الكبير . فلما قصت أم الأسد هذا الكلام صح « 3 » عند الأسد ما فعل دمنة ، فاستدعى أصحابه وجنده فأدخلوا عليه ، ثم أمر أن يؤتى بدمنة . فلما حضر دمنة نكس الأسد رأسه « 4 » إلى الأرض مليا « 5 » ، فالتفت دمنة إلى بعض الحاضرين فقال : ما الذي حدث ؟ وعلام اجتمعتم ؟ وما الذي أحزن الملك ؟ فالتفتت أم الأسد إليه وقالت له : أحزن الملك بقاؤك ولو طرفة عين ولن يدعك بعد اليوم حيا . قال دمنة : وما حدث من أمري حتى وجب به قتلي . قالت : إنه قد بان للملك كذبك وفجورك « 6 » وخديعتك في قتل الثور من غير ذنب كان منه ، فلست حقيقا « 7 » أن تترك بالحياة طرفة عين . قال دمنة : ما ترك الأول للآخر شيئا ، لأنه يقال : أشد الناس في توقي الشر يصيبه الشر قبل المستسلم له . فلا يكونن الملك وخاصته وجنوده المثل السوء . ولقد صدق من قال : كلما ازداد الانسان في الخير اجتهادا كان الشر إليه أسرع . وقد قيل : من صحب الأشرار وهو يعلم حالهم كان أذاه من نفسه ، ولذلك انقطعت « 8 » النساك بأنفسها عن الخلق واختارت الوحدة على المخالطة وحب العمل للّه على حب الدنيا وأهلها ، ومن يجزي بالخير خيرا وبالاحسان إحسانا إلا اللّه ؟ ومن طلب الجزاء على الخير من الناس كان
--> ( 1 ) يبقى عليه : بمعنى يبقيه في الحياة . ( 2 ) الجرم : الذنب . ( 3 ) صح : ثبت . ( 4 ) نكس رأسه : اطرق . ( 5 ) مليا : طويلا . ( 6 ) الفجور : الكذب والشر . ( 7 ) حقيقا : مستحقا . ( 8 ) انقطعت : خلت .