ابن المقفع

147

آثار ابن المقفع

النميمة واستعمالها مع الكذب والبهتان « 1 » في حق الخاصة « 2 » وعرف النمر عصيان دمنة وترك القبول منه فوقف يستمع ما يجري بينهما . فكان فيما قال كليلة لدمنة : لقد ارتكبت مركبا صعبا ودخلت مدخلا ضيقا وجنيت « 4 » على نفسك . جناية موبقة « 3 » وعاقبتها وخيمة ، وسوف يكون مصرعك شديدا إذا انكشف للأسد أمرك واطلع عليه وعرف غدرك ومحالك « 5 » وبقيت لا ناصر لك ، فيجتمع عليك الهوان والقتل مخافة شرك وحذرا من غوائلك « 6 » . فلست بمتخذك بعد اليوم خليلا ولا مفش لك سرا ، لأن العلماء قد قالوا : تباعد ممن لا رغبة لك فيه . وأنا جدير بمباعدتك والتماس الخلاص لي مما وقع في نفس الأسد من هذا الأمر . فلما سمع النمر هذا من كلامهما قفل « 7 » راجعا ، فدخل على أم الأسد فأخذ عليها العهود والمواثيق أنها لا تبوح بما يسر إليها فعاهدته على ذلك ، فأخبرها بما سمع من كلام كليلة ودمنة . فلما أصبحت دخلت على الأسد فوجدته كئيبا حزينا مهموما لما ورد عليه من قتل شتربة . فقالت له : ما هذا الهم الذي أخذ منك « 8 » وغلب عليك ؟ قال : يحزنني قتل شتربة إذا تذكرت صحبته ومواظبته معي ، وما كنت أسمع من مؤامرته وأسكن « 9 » إليه في مشاورته وأقبل من مناصحته « 10 » . قالت أم الأسد : إن كنت ترى أن لك في قتله فرجا فلا ينبغي لك أن تحزن ، وإلا فقلبك يشهد أن عملك الذي عملته لم يكن صوابا ولا عدلا ، لأن العلماء قد قالوا : إذا أردت أن تعلم عدوك من صديقك ففكر في نفسك فإن لم يكن قلبك له سليما فاعلم أنه لك كذلك .

--> ( 1 ) البهتان : القول على الناس ما لم يفعلوه . ( 2 ) الخاصة : خلاف العامة . ( 3 ) جنى الذنب عليه : جره اليه . ( 4 ) موبقة : مهلكة . ( 5 ) غدرك ومحالك : كيدك ومكرك . ( 6 ) غوائل : اي شرور . ( 7 ) قفل : رجع . ( 8 ) اخذ منه الهم : اشتد عليه . ( 9 ) اسكن اليه : اركن واطمئن . ( 10 ) مناصحته : نصحه .