ابن المقفع
144
آثار ابن المقفع
أن لا شيء أقطع من أنيابها للحديد . ففرح الرجل بصديقه على ما قال وادعى ، ثم إن التاجر خرج فلقي ابنا للرجل فأخذه وذهب به إلى منزله ، ثم رجع إليه الرجل من الغد فقال له : هل عندك علم من ابني ؟ فقال له التاجر : إني لما خرجت من عندك بالأمس رأيت بازيا قد اختطف صبيا صفته كذا ، ولعله ابنك . فلطم الرجل رأسه وقال : يا قوم ، هل سمعتم أو رأيتم أن البزاة تختطف الصبيان ؟ فقال : نعم ، وإن أرضا تأكل جرذانها مئة منّ حديدا ليس بعجب أن تختطف بزاتها الفيلة . قال له الرجل : أنا أكلت حديدك وهذا ثمنه فاردد عليّ ابني . وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن من غدر بملكه وصاحب نعماه « 1 » فليس بعجب أن يغدر بغيره . وإذا صاحب أحد صاحبا وغدر بمن سواه فقد علم صاحبه أنه ليس عنده للمودة موضع . فلا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له ، وحباء « 2 » يصطنع عند من لا شكر له ، وأدب يحمل إلى من لا يتأدب به ولا يسمعه ، وسر يستودع من لا يحفظه . وإن الشجرة المرة لو طليت بالعسل لم يجدها « 3 » ذلك شيئا . وإن صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر ، كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيبا ، وإذا مرت بالنتن حملت نتنا ، وقد طال وثقل كلامي عليك . فانتهى كليلة من كلامه إلى هذا المكان وقد فرغ الأسد من الثور « 4 » . ثم فكر في قتله بعد ان قتله وذهب عنه الغضب وقال : لقد فجعني « 5 » شتربة بنفسه وكان ذا عقل ورأي وخلق كريم ، ولا أدري لعله كان بريئا أو مكذوبا عليه . فحزن وندم على ما كان منه ، وتبين ذلك في
--> ( 1 ) نعماه : نعمته . ( 2 ) حباء : عطاء . ( 3 ) لم يجدها : لم ينفعها . ( 4 ) فرغ الأسد من الثور : فرغ من قتله . ( 5 ) فجعني : رزأني وأصابني .