ابن المقفع
136
آثار ابن المقفع
غيض « 1 » ذلك الماء ، فجاءت البطتان لوداع السلحفاة وقالتا : السلام عليك فإننا ذاهبتان عن هذا المكان لأجل نقصان الماء عنه . فقالت : إنما يبين نقصان الماء على مثلي التي كأني السفينة لا أقدر على العيش إلا بالماء ، فأما أنتما فتقدران على العيش حيث كنتما ، فاذهبا بي معكما . قالتا : نعم . قالت : كيف السبيل إلى حملي ؟ قالتا : نأخذ بطرفي عود وتقبضين بفيك على وسطه ونطير بك في الجو . وإياك إذا سمعت الناس يتكلمون أن تنطقي . ثم أخذتاها فطارتا بها في الجو . فقال الناس : عجب ، سلحفاة بين بطتين قد حملتاها . فلما سمعت ذلك قالت : فقأ اللّه أعينكم أيها الناس . فلما فتحت فاها بالنطق وقعت على الأرض فماتت . قال الذكر : قد سمعت مقالتك فلا تخافي وكيل البحر . فلما مد الماء « 2 » دنا وكيل البحر فذهب بفراخهما . فقالت الأنثى : قد عرفت في بدء الأمر أن هذا كائن ، وما أصابنا إنما هو بتفريطك « 3 » . قال الذكر : قد قلت ما قلت ، وأنا على قولي ، وسوف ترين صنعي به وانتقامي منه . ثم مضى إلى جماعة الطير فقال لهن : إنكن أخواتي وثقاتي « 4 » فأعنّني . قلن : ما ذا تريد أن نفعل ؟ قال تجتمعن وتذهبن معي إلى سائر الطير فنشكو إليهن ما لقيت من وكيل البحر ونقول لهن : إنكن طير مثلنا فأعننا . فقالت له جماعة الطير : إن العنقاء بنت الريح هي سيدتنا وملكتنا ، فاذهب بنا إليها حتى نصيح بها فتظهر لنا ، فنشكو إليها ما نالك من وكيل البحر ونسألها أن
--> ( 1 ) غيض : غار . نقص . ( 2 ) مد الماء : ارتفع وغمر شيئا من الساحل . ( 3 ) تفريطك : تقصيرك . ( 4 ) ثقات : جمع ثقة وهو من يتكل عليه ويؤمن له .