ابن المقفع
135
آثار ابن المقفع
قال دمنة : لا ينبغي لأحد أن يخاطر بنفسه وهو يستطيع غير ذلك ، ولكن ذا الرأي جاعل القتال آخر الحيل ، وبادىء قبل ذلك بما استطاع من رفق وتمحل « 1 » . وقد قيل : لا تحقرن العدو الضعيف المهين « 2 » ، ولا سيما إذا كان ذا حيلة ويقدر على الأعوان ، فكيف بالأسد على جرأته وشدته ؟ فإن من حقر عدوه لضعفه أصابه ما أصاب وكيل البحر من الطيطوى . قال شتربة : وكيف كان ذلك . مثل الطيطوى ووكيل البحر قال دمنة : زعموا أن طائرا من طيور البحر يقال له الطيطوى ، كان وطنه على ساحل البحر ومعه زوجة له . فلما جاء أوان إفراخهما قالت الأنثى للذكر : لو التمسنا مكانا حريزا « 3 » غير هذا نفرخ فيه ، فإني أخاف من البحر ، إذا مد الماء ، أن يذهب بفراخنا . فقال لها : ما أراه يحمل علينا فإن وكيل البحر يخافني أن أنتقم منه ، فأفرخي في مكانك فإنه موافق لنا . والماء والزهر منا قريب . قالت له : يا غافل ، ما أشد عنادك وتصلبك ! أما تذكر وعيده « 4 » وتهدده إياك ؟ ألا تعرف نفسك وقدرك في وعيد من لا طاقة لك به ؟ فأبى أن يطيعها . فلما أكثرت عليه ولم يسمع قولها قالت له : إن من لم يسمع قول الناصح يصيبه ما أصاب السلحفاة حين لم تسمع قول البطتين . قال الذكر وكيف كان ذلك ؟ مثل السلحفاة والبطتين قالت الأنثى : زعموا أن غديرا كان عنده عشب وكان فيه بطتان ، وكان في الغدير سلحفاة بينها وبين البطتين مودة وصداقة . فاتفق أن
--> ( 1 ) تمحل : احتيال . ( 2 ) المهين : الحقير ، الذليل . ( 3 ) حريزا : حصينا . ( 4 ) الوعيد : التهديد . والوعيد في الشر كالوعد في الخير .