ابن المقفع
132
آثار ابن المقفع
منهم ذلك فقال : لقد جهدتم واحتجتم إلى ما تأكلون . فقالوا لا تهمنا أنفسنا ، لكنا نرى الملك على ما نراه فليتنا نجد ما يأكله ويصلحه . قال الأسد : ما أشك في نصيحتكم ، ولكن انتشروا لعلكم تصيبون صيدا تأتوني به فيصيبني ويصيبكم منه رزق . فخرج الذئب والغراب وابن آوى من عند الأسد فتنحوا وائتمروا « 1 » فيما بينهم وقالوا : ما لنا ولهذا الآكل العشب الذي ليس شأنه من شأننا ولا رأيه من رأينا ، ألا نزين « 2 » للأسد فيأكله ويطعمنا من لحمه ؟ قال ابن آوى : هذا مما لا نستطيع ذكره للأسد لأنه قد أمن الجمل وجعل له من ذمته « 3 » . قال الغراب : أنا أكفيكم أمر الأسد . ثم انطلق فدخل عليه ، فقال له الأسد : هل أصبت شيئا ؟ قال الغراب : إنما يصيب من يسعى ويبصر ، وأما نحن فلا سعي لنا ولا بصر لما بنا من الجوع . ولكن قد وفقنا إلى أمر واجتمعنا عليه ، إن وافقنا الملك فنحن له مجيبون . قال الأسد : وما ذاك ؟ قال الغراب : هذا الجمل آكل العشب المتمرغ بيننا من غير منفعة لنا منه ولا رد عائدة « 4 » ولا عمل يعقب مصلحة . فلما سمع الأسد ذلك غضب وقال : ما أخطأ رأيك وما أعجز مقالك وأبعدك عن الوفاء والرحمة ! وما كنت حقيقا أن تجترىء عليّ بهذه المقالة وتستقبلني بهذا الخطاب مع ما علمت من أني قد أمنت الجمل وجعلت له من ذمتي أو لم يبلغك أنه لم يتصدق متصدق بصدقة هي أعظم أجرا ممن أمن
--> ( 1 ) ائتمروا : تشاوروا . ( 2 ) نزين : نحسن . ( 3 ) جعل له من ذمته : أعطاه عهده ، أي أمنه . ( 4 ) عائدة : فائدة .