ابن المقفع

129

آثار ابن المقفع

ثم ينظر هل في الصفح عنه أمر يخاف ضرره وشينه فلا يؤاخذ صاحبه بشيء يجد فيه إلى الصفح عنه سبيلا . « فإن كان الأسد قد اعتقد عليّ ذنبا فلست أعلمه ، إلا أني خالفته في بعض رأيه بطرا مني ونصيحة له فلعله يكون قد أنزل أمري على الجرأة عليه والمخالفة له . ولا أجد لي في هذا المحضر « 1 » إثما « 2 » ما لأني لم أخالفه في شيء إلا ما قد ندر عند مخالفته الرشد « 3 » والمنفعة والدين ، ولم أجاهر بشيء من ذلك على رؤوس جنده وعند أصحابه ، ولكن كنت أخلو به وأكلمه سرا كلام الهائب الموقر . وعلمت أنه من التمس الرّخص « 4 » من الإخوان عند المشاورة ، ومن الأطباء عند المرض ، ومن الفقهاء عند الشبهة فقد أخطأ منافع الرأي وازداد فيما وقع فيه من ذلك تورطا « 5 » وحمل الوزر « 6 » . وإن لم يكن هذا فلعله يكون ذلك من بعض سكرات السلطان ، فإن صحبة السلطان خطرة ، وإن صوحب بالسلامة والثقة والمودة وحسن الصحبة فربما عثر مصاحبه العثرة فلا ينتعش « 7 » ولا تقال عثرته « 8 » . وإن لم يكن هذا فبعض ما أوتيت من الفضل قد جعل لي فيه الهلاك ، وبعض المحاسن آفة لصاحبها . فان الشجرة اللذيذة الثمر ربما كان أذاها في حملها فلويت أغصانها وهصرت « 9 » أطرافها حتى تتكسر ؛ والطاووس الذي ذنبه أفضله ينسل « 10 » فيؤلمه ، والفرس المطهم « 11 » الجريّ « 12 » ربما ركب حتى ينقطع ، والبلبل الحسن الصوت يحبس دون غيره من الطير ، وإن لم يكن هذا ولا هذا فهو إذن من مواقع

--> ( 1 ) المحضر : مكان الحضور . ( 2 ) اثما : ذنبا . ( 3 ) الرشد : الهدى . ( 4 ) الرخص : جمع رخصة وهي اليسر والتساهل . ( 5 ) تورطا : دخولا في الورطة وهي الهلاك . ( 6 ) الوزر : الاثم . ( 7 ) لا ينتعش : لا ينهض . ( 8 ) لا تقال عثرته : لا يرفع من سقوطه . ( 9 ) هصرت الأغصان : جذبت وعطفت . ( 10 ) ينسل : ينزع . ( 11 ) المطهم : الكامل ، التام الخلق . ( 12 ) الجري : الكثير الجري .