ابن المقفع

126

آثار ابن المقفع

إلا وأنت مستعد له وإياك أن تصيبه منك غرة « 1 » أو غفلة ، فإني لا احسب الملك حين يدخل عليه إلا سيعرف انه قد همّ بعظيمة . ومن علامات ذلك انك ترى هيئته متغيرة ، وترى أوصاله « 2 » ترعد « 3 » ، وتراه ملتفتا يمينا وشمالا ، وتراه يصوب قرنيه فعل الذي هم بالنطاح والقتال . قال الأسد : سأكون منه على حذر ، وإن رأيت منه ما يدلّ على ما ذكرت علمت أن ما في أمره شك . فلما فرغ دمنة من تحريش الأسد على الثور ، وعرف أنه قد وقع في نفسه ما كان يلتمس ، وأن الأسد سيتحذر من الثور ويتهيأ له ، أراد أن يأتي الثور ليغريه بالأسد « 4 » ، وأحب أن يكون إتيانه من قبل الأسد مخافة أن يبلغه ذلك فيتأذى به . فقال : أيها الملك ، ألا آتي شتربة فانظر إلى حاله وأمره ، وأسمع كلامه لعلّي أطلع على سره فأطلع الملك على ذلك وعلى ما يظهر لي منه . فأذن له الأسد في ذلك ، فانطلق فدخل على شتربة كالكئيب الحزين . فلما رآه الثور رحب به وقال : ما كان سبب انقطاعك عني ؟ فإني لم أرك منذ أيام . أسلامة هو ؟ قال دمنة : ومتى كان من أهل السلامة من لا يملك نفسه ، وأمره بيد غيره ممن لا يوثق به ، ولا ينفك على خطر وخوف حتى ما من ساعة تمر ويأمن فيها على نفسه . قال شتربة : وما الذي حدث ؟ قال دمنة : حدث ما قدر وهو كائن ، ومن ذا الذي بلغ من الدنيا جسيما من الأمور فلم يبطر ؟ ومن ذا الذي بلغ مناه فلم يغتر ؟ ومن ذا الذي تبع هواه فلم يخسر ؟ ومن ذا الذي حادث النساء فلم يصب ؟ ومن

--> ( 1 ) غرة : عدم انتباه ، غفلة ( 2 ) أوصاله : مفاصله . ( 3 ) ترعد : ترتعد . ( 4 ) يغريه : يحرشه ويهيجه عليه .