ابن المقفع
121
آثار ابن المقفع
عن مكانك كان له ملكك ، ولا يدع جهدا « 1 » إلا بلغه فيك ، وقد كان يقال : إذا عرف الملك من أحد رعيته أنه قد ساواه في المنزلة والحال فليصرعه ، فإن هو لم يفعل به ذلك كان هو المصروع . وشتربة أعلم بالأمور وأبلغ فيها . والعاقل هو الذي يحتال للأمر قبل تمامه ووقوعه . فإنك لا تأمن أن يكون وأن لا تستدركه « 2 » . فإنه يقال : الرجال ثلاثة : حازم وأحزم منه وعاجز . فالحازم من إذا نزل به الأمر لم يدهش له ، ولم يذهب قلبه شعاعا « 3 » ، ولم تعي به « 4 » حيلته ومكيدته التي يرجو بها المخرج منه . وأحزم من هذا المقدام « 5 » ذو العدة الذي يعرف الابتلاء « 6 » قبل وقوعه ، فيعظمه إعظاما ويحتال له حيلة حتى كأنه قد لزمه فيحسم « 7 » الداء قبل أن يبتلى به ، ويدفع الأمر قبل وقوعه . وأما العاجز فهو في تردد وتمن وتوان « 8 » حتى يهلك . ومن أمثال ذلك مثل السمكات الثلاث . قال الأسد : وكيف كان ذلك . قال دمنة : زعموا أن غديرا كان فيه ثلاث من السمك : كيسة « 9 » وأكيس منها وعاجزة . وكان ذلك الغدير بنجوة « 10 » من الأرض لا يكاد يقربه أحد وبقربه نهر جار . فاتفق أنه اجتاز بذلك النهر صيادان فأبصرا الغدير فتواعدا أن يرجعا إليه بشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك . فسمع السمكات قولهما ، فأما أكيسهن فلما سمعت قولهما ارتابت بهما وتخوفت فلم تعرج « 11 » على شيء حتى خرجت من المكان الذي
--> ( 1 ) جهدا : طاقة واستطاعة . ( 2 ) تستدركه : تتلافاه . ( 3 ) لم يذهب قلبه شعاعا . يستعمل في معرض الفرح وهو هنا للكناية عن شدة الخوف . ( 4 ) لم تعي . لم تعجز . ( 5 ) المقدام . الجريء الكثير الاقدام . ( 6 ) الابتلاء . البلية . ( 7 ) فيحسم . يقطع . ( 8 ) توان . فتور . ( 9 ) كيسة . عاقلة . ( 10 ) بنجوة : محل مرتفع من الأرض . ( 11 ) لم تعرج : لم تعطف ولم تمل .