ابن المقفع
120
آثار ابن المقفع
ثم إن دمنة ترك الدخول على الأسد أياما كثيرة . ثم أتاه على خلوة منه فقال له الأسد : ما حبسك عني منذ زمان لم أرك . . ألا لخير كان انقطاعك ؟ قال دمنة : ليكن خيرا أيها الملك . قال الأسد : وهل حدث أمر ؟ قال دمنة : حدث ما لم يكن الملك يريده ولا أحد من جنده . قال : وما ذاك ؟ قال : كلام فظيع . قال : أخبرني به . قال دمنة : إن كل كلام يكرهه سامعه لا يجسر عليه قائله ، وإن كان ناصحا مشفقا ، إلا إذا كان المقول له عاقلا ، فإن اتفق ذلك حمل القول على عمل المحبة وعلم ما فيه من النصيحة ، لأن ما كان فيه من نفع فهو له . وإنك ، أيها الملك ، لذو فضيلة ، ورأيك يدلك على أنه يوجعني أن أقول ما تكره ، وإني واثق بك أنك تعرف نصحي وإيثاري « 1 » إياك على نفسي . وإنه ليعرض « 2 » لي انك غير مصدقي فيما أخبرك به ، ولكني إذا تذكرت وتفكرت ان نفوسنا معاشر الوحوش متعلقة بك لم أجد بدا من أداء « 3 » النصح الذي يلزمني ، وإن أنت لم تسألني أو خفت الا تقبله مني . فإنه يقال : من كتم السلطان نصيحته ، والأطباء مرضه ، والإخوان رأيه ، فقد خان نفسه . قال الأسد : فما ذاك ؟ قال دمنة : حدثني الأمين الصدوق عندي أن شتربة خلا برؤوس جندك وقال لهم : إني قد خبرت « 4 » الأسد وبلوت رأيه ومكيدته وقوته ، فاستبان لي أن ذلك يؤول « 5 » منه إلى ضعف وعجز ، وسيكون لي وله شأن من الشؤون . فلما بلغني ذلك علمت أن شتربة خوان غدار ، وأنك أكرمته الكرامة كلها وجعلته نظير نفسك فهو يظن أنه مثلك وأنك متى زلت
--> ( 1 ) ايثاري : تفضيلي . ( 2 ) يعرض لي : يخطر ببالي . ( 3 ) أداء : تأدية . . تقديم . ( 4 ) خبرت : امتحنت . ( 5 ) يؤول : يرجع .