ابن المقفع

119

آثار ابن المقفع

فلك علينا في كل يوم دابة نرسل بها إليك في وقت غدائك . فرضي الأسد بذلك وصالح الوحوش عليه ووفين له به . ثم إن ارنبا أصابتها القرعة وصارت غداء الأسد . فقالت للوحوش : إن أنتن رفقتن « 1 » بي فيما لا يضركن رجوت ان أريحكن من الأسد . فقالت الوحوش : وما الذي تكلفينا من الأمور ! قالت : تأمرن الذي ينطلق بي إلى الأسد ان يمهلني ريثما « 2 » أبطىء عليه بعض الإبطاء . فقلنا لها : ذلك لك . فانطلقت الأرنب متباطئة حتى جاوزت الوقت الذي كان يتغدى فيه الأسد ، ثم تقدمت إليه وحدها رويدا ، وقد جاع فغضب وقام من مكانه نحوها ، فقال لها : من اين أقبلت ؟ قالت : انا رسول الوحوش إليك ، وقد بعثنني ومعي أرنب لك فتبعني أسد في بعض تلك الطريق فأخذها مني وقال : انا أولى بهذه الأرض وما فيها من الوحش . فقلت له : إن هذا غداء الملك أرسلت به الوحوش إليه ، فلا تغصبه . . فسبك وشتمك ، فأقبلت مسرعة لا خبرك . فقال الأسد : انطلقي معي فأريني موضع هذا الأسد . فانطلقت الأرنب إلى جب « 3 » فيه ماء غامر صاف ، فاطلعت فيه وقالت : هذا المكان . فاطلع الأسد فرأى ظله وظل الأرنب في الماء ، فلم يشك في قولها ووثب على الأسد ليقاتله فغرق في الجب فانقلبت « 4 » الأرنب إلى الوحوش ، فأعلمتهن صنيعها بالأسد . قال كليلة : ان قدرت على هلاك الثور بشيء ليس فيه مضرة للأسد فشأنك « 5 » ، فإن الثور قد أضر بي وبك وبغيرنا من الجند ، وان أنت لم تقدر على ذلك إلا بهلاك الأسد فلا تقدم عليه فإنه غدر مني ومنك .

--> ( 1 ) رفقتن : تلطفتن . ( 2 ) ريثما : مهلة ما . ( 3 ) جب : غدير أو بئر فيه ماء عميق . ( 4 ) انقلبت : عادت . ( 5 ) فشأنك : أي افعل ما تريد .