ابن المقفع

113

آثار ابن المقفع

حين أطالت التكرار ورماها به ، فولولت وصاحت : أنفي ، أنفي ، وجلبت « 1 » حتى جاء أهلها واقرباؤها فرأوها على تلك الحالة فأخذوا الحجام فانطلقوا به إلى القاضي . فقال له القاضي : ما حملك على جدع أنف امرأتك ؟ فلم تكن له حجة يحتج بها . فأمر به القاضي : ان يقتص منه « 2 » . فلما قدم للقصاص وافى « 3 » الناسك فتقدم من القاضي وقال له : أيها الحاكم ، لا يشتبهن عليك هذا الامر ، فإن اللص ليس هو الذي سرقني ، وان الثعلب ليس الوعلان قتلاه ، وإن المرأة ليس السم قتلها ، وان امرأة الحجام ليس زوجها جدع انفها ، وانما نحن فعلنا ذلك بأنفسنا . فسأله القاضي عن التفسير ، فأخبره بالقصة . فأمر القاضي بإطلاق الحجام . قال دمنة : قد سمعت هذا المثل وهو شبيه بأمري ، ولعلي ما ضرني أحد سوى نفسي . ولكن ما الحيلة ؟ قال كليلة : أخبرني عن رأيك وما تريد ان تعزم عليه في ذلك ؟ قال دمنة : اما انا فلست اليوم أرجو ان تزداد منزلتي عند الأسد فوق ما كانت عليه . ولكن ألتمس ان أعود إلى ما كانت حالي عليه ، فإن أمورا ثلاثة العاقل جدير بالنظر فيها والاحتيال لها بجهده : منها النظر فيما مضى من الضر والنفع . . أن يحترس من الضر الذي أصابه فيما سلف لئلا يعود إلى ذلك الضر ، ويلتمس النفع الذي مضى ويحتال لمعاودته . . . ومنها النظر فيما هو مقيم فيه من المنافع والمضار والاستيثاق « 4 » مما ينفع والهرب مما يضر . ومنها النظر في مستقبل ما يرجو من قبل النفع وما يخاف من قبل الضر ليستتم ما يرجو ويتوقى ما يخاف بجهده . وإني لما نظرت في الأمر الذي به أرجو أن تعود منزلتي وما غلبت عليه مما كنت فيه ، لم أجد حيلة ولا وجها إلا الاحتيال لآكل العشب

--> ( 1 ) جلبت : من الجلبة وهي انصياح . ( 2 ) يقتص منه : يعاقبه . ( 3 ) وافى : جاء ، اتى . ( 4 ) الاستيثاق : التأكد .