ابن المقفع

103

آثار ابن المقفع

قال كليلة : هبك « 1 » وصلت إلى الأسد فما توفيقك عنده الذي ترجو أن تنال به المنزلة عنده والحظوة « 2 » لديه ؟ قال دمنة : لو دنوت منه وعرفت أخلاقه لرفقت في متابعته وقلة الخلاف له . وإذا أراد أمرا هو في نفسه صواب ، زينته له وصبرته عليه وعرفته بما فيه من النفع والخير . وشجعته عليه وعلى الوصول إليه حتى يزداد به سرورا . وإذا أراد أمرا يخاف عليه ضره وشينه « 3 » بصّرته بما فيه من الضرر والشين ، وأطلعته على ما في تركه من النفع والزين بحسب ما أجد اليه السبيل . وأنا أرجو أن أزداد بذلك عند الأسد مكانة ويرى مني ما لا يراه من غيري . فإن الرجل الأديب الرفيق لو شاء أن يبطل حقا أو يحق باطلا لفعل ، كالمصور الماهر الذي يصور في الحيطان صورا كأنها خارجة وليست بخارجة ، وأخرى كأنها داخلة وليست بداخلة . فإذا هو عرف ما عندي وبان له حسن رأيي وجودة فكري التمس إكرامي وقربني إليه . قال كليلة : أما إن قلت هذا فإني أخاف عليك من السلطان ، فإن صحبته خطرة وأحذرك من الذي أردته كعظم خطره عندك . وقد قالت العلماء : إن ثلاثة لا يجترىء عليهن إلا أهوج ولا يسلم منهن إلا قليل ، وهي : صحبة السلطان وائتمان النساء على الأسرار وشرب السم للتجربة . وإنما شبه العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار والأنهار الجارية والجواهر النفيسة والأدوية النافعة وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضار مخوف . فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد . قال دمنة : صدقت فيما ذكرت . غير أنه من لم يركب الأهوال لم

--> ( 1 ) هبك : احسب نفسك . ( 2 ) الحظوة : المكانة والكرامة . ( 3 ) شينه : عيبه .