مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية

30

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )

ثمّ انظروا إلى حالته الأخرى ( روحي له الفداء ) حيث قد ملأ يديه بالدماء ونثرها - أي رمى بها - نحو السّماء ، ما أحسن هذه المحبّة ، وأتمّ تلك اللّوعة ، وأكمل محوضة ذلك الفناء في اللَّه ، وما ألطف دقائق الأسرار في هذا المضمار ، فإن أعظم ما ينثر في تلك الضّيافة الرّحمانيّة ، وأشرف ما يبذل في الدّعوة الحقّانيّة ، هو أمثال تلك الدّماء الطّاهرات المباركات . ومن التّأمّل في هذه الأسرار المذكورة يعلم أيضاً سرّ عدم نزول قطرة من هذه الدّماء من السّماء إلى الأرض ، وكيف لا ؟ فإنّ قطرة واحدة منها بمنزلة ألف ألف شاهد في صدق الدّعوى ، فمثل هذه الهدية الحسينيّة المنبعثة عن فرط المحبّة ومحوضة الفناء في اللَّه ، المبعوثة إلى مادّته الحضرة الرّحمانيّة الإلهيّة ، لا تكون إلّامن ذخائر كنوز العرش والكرسي ، فلو خصّص اللَّه تعالى أحداً من حملة عرشه وسكّان كرسيّه بذرة من شموس هذه الدّماء ، أو بمقدار ما يكتحل به ، لكان مكرّماً بنعمة ليس فوقها نعمة ، ولكان ريّاناً من الكأس المترع من كؤوس محبّة اللَّه تعالى . ومن هذا السّرّ يستنبط سرّ ، أنّه لو نزلت قطرة من هذه الدّماء إلى الأرض لانخسفت الأرض بأهلها . ومن ملاحظة الأسرار المذكورة بعد ملاحظة أنّ اسم هذا الطّفل كما كان عليّاً ، كذا كان عبداللَّه ، تسترشد إلى سرّ تكنية النّبيّ صلى الله عليه وآله الحسين ( روحي له الفداء ) بأبي عبداللَّه . وأمّا ما قد يقال من أنّ الطّفل الشّهيد كان اثنين ، أحدهما عليّ الأصغر الّذي مرّت قضيّة شهادته ، والثّاني عبداللَّه ، وهو الّذي قتل بعد أن سقط سيّد الشّهداء من جواده ، ممّا لا أرى له مستنداً ، على أنّه لو كان كذلك لكان أشار إليه صاحب العصر ( روحي له الفداء ) في القائميّات ، فليس ما تفيد الزّيارة القائميّة إلّاانحصار الطّفل الشّهيد في الواحد ، وقد يستند في ذلك إلى ما نقل عن كتاب « أخبار الدّول وآثار الأول » وهو : أنّه قد بقي سيّد الشّهداء ( روحي له الفداء ) زماناً كلّما انتهى إليه رجل منهم انصرف عنه ولم يتولّ قتله ، فحمل صبيّاً صغيراً من أولاده اسمه عبداللَّه وقبّله ، فأخذه رجل من بني أسد فذبحه ،