مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية

28

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )

وقال ابن نما : وضعه مع قتلى أهل بيته . وعن أبي الفتوح وكمال الدّين : حفر له بسيفه وصلّى عليه ودفنه . وفي المقتل يروي عن الشّعبيّ : أنّ الحسين عليه السلام لمّا مضى بالطّفل نحو النِّساء وهو مخضّب بدمائه والحسين يبكي ، فلمّا سمعت النِّساء بكاءه خرجن إليه ، فوجدن الطّفل على صدره وهو ميّت ، فلمّا رأينه على تلك الحال تصارخن وأعلنّ البكاء عليه ، فأخذت امّ كلثوم الطّفل وضمّته إلى صدرها وجعلت نحره عند نحرها وأسبلت عليه عبرتها ، ثمّ نادت : « وا محمّداه ! وا عليّاه ! ماذا لقينا بعدكما من الأعداء ؟ ! وا لهفاه على طفل خُضِّب بدمائه ، وا أسفاه على رضيع فطم بسهام الأعداء ، وا حسرتاه على قريحة الجفن والأحشاء » . ثمّ جعلت تقول ، ولعلّه مقول على لسان حالها : لهف نفسي على صغير أوام [ ثمّ ذكر الأبيات كما ذكرناها في الكبريت الأحمر ] . فهذه المصيبة من أعظم المصائب ، وكيف لا ؟ فإنّه لو كان قد ابتلي بمثلها نبيّ مرسل صاحب شريعة مستقلّة ، ولم يصبه مصيبة أخرى غير ذلك لكان ذلك كافياً في جلالةشأنه وعلوّ مقام صبره ، فنقول : إنّ السّرّ الأوّل لمناولة الإمام عليه السلام الطّفل وأخذه بيديه في مقابل الأعداء الكفّار وإتمام الحجّة عليهم بطلب جرعة من الماء له ، هو ما مرّت إليه الإشارة ، من أنّ هذا الطّفل ( روحي له الفداء ) قد طلب بلسان الحال الفوز بدرجة الشّهادة ، حيث قطع قماطه وألقى نفسه إلى الأرض حين استغاثة الإمام عليه السلام واستنصاره . والسّرّ الثّاني : هو السّرّ المنبعث من تربية اللَّه ربّ العزّة العباد ودعوته تعالى إيّاهم إلى الخيرات والطّاعات ، وأعظمها البكاء على سيّد الشّهداء ، وقد عرفت أنّ النّاس مختلفون بحسب ميولاتهم وأهوائهم وترجيحاتهم ، لا يجتمعون على شيء واحد في الفرح ولا في الحزن ، فاقتضت العناية الأزليّة أن يجري من الآلام والمصائب والمحن ما يرقّ لها القلوب بجميع ميولاتها المختلفة ، وترجيحاتها المشتّتة ، حتّى لا يبقى لأحد طريق الاعتذار في البكاء والنّحيب والرّقّة ، ولا شكّ في أنّ شهادة هذا الطّفل ( روحي له الفداء ) ممّا ترقّ لها القلوب ، وإن كانت قسوتها أشدّ من قسوة الصّخور والفنود ، والحاصل أنّ هذه المصيبة