مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
180
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
الحسين عليه السّلام ، فدعى بقدح من ماء ، فلمّا وضعه في فيه ، رماه الحصين بن نمير بسهم ، فأدخله في فمه ، وحال بينه وبين شرب الماء ، فوضع القدح من يده ، ولمّا رأى القوم قد أحجموا عنه ، قام يتمشّى على المسنّاة نحو الفرات ، فحالوا بينه وبين الماء ، فانصرف إلى موضعه الّذي كان فيه إلى آخره . وهذا القول في غاية الشّذوذ والغرابة ، لاتّفاق المؤرّخين أنّه عليه السّلام قدّم طفله الرّضيع إلى الأعداء ، طالبا له منهم الماء لشدّة ظمأ الطّفل ، وأنّه قد أشرف على الموت من العطش ، فلو كان في خيامه قدح ماء آثر به الطّفل ، وما احتاج إلى طلب من أجلاف أنذال . قال سبط ابن الجوزيّ في التّذكرة ص 141 : لمّا رحل الحسين عليه السّلام من القادسيّة ، وقف يختار مكانا ينزل فيه ، وإذا سواد الخيل أقبل كاللّيل ، كأنّ راياتهم أجنحة النّسور ، وأسنّتهم اليعاسيب ، فنزلوا مقابلهم ومنعوهم الماء ثلاثة أيّام . ثمّ قال بعد أسطر : ولمّا اشتدّ العطش بالحسين عليه السّلام وأصحابه ، بعث بالعبّاس بن عليّ أخيه ، إلى المشارع في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، فاقتتلوا عليه ولم يمكّنوهم من الوصول إليه ، انتهى . وفيه شذوذ أيضا من جهة اتّفاق المؤرّخين ، أنّه عليه السّلام وصل إلى الماء وأوصله إلى الحسين عليه السّلام ؛ صرّح بذلك الطّبريّ وغيره . وهذا السّيّد الدّاوديّ قد سقط سقطة فاضحة ، حيث قال في « عمدة الطّالب » ص 323 : يكنّى أبا الفضل ويلقّب السّقّاء ، لأنّه استسقى الماء لأخيه الحسين عليه السّلام يوم الطّف ، وقتل دون أن يبلغه إيّاه ، إلى آخره . وفي هذا الكلام غلط واشتباه . أمّا الغلط ، فلأنّه زعم أنّه سمّي سقّاء لسقايته له مرّة واحدة ثمّ نفاها ، وكيف يسمّى إنسان بما لم يفعل ، وإنّما عزم على الفعل ، وهذا غلط ؛ لا يسمّى الرّسول رسولا حتّى ينفذ بالرّسالة ، ولا الضّارب ضاربا حتّى يقع منه الضّرب . « أمّا الاشتباه » فلظنّه أنّه عليه السّلام ما استسقى إلّا عند قرب مقتله ، وهذا اشتباه قطعا ، لأنّه استسقى قبل مقتله اتّفاقا ، وإن اختلفوا في هذه السّقاية ، هل كانت ليلة العاشر ، أم نهار العاشر ؟ فذهب إلى كلّ فريق . ويلزمنا هنا بيان أمر يدلّ على فائدة الإمعان في التّاريخ ليتبحّر الذّكيّ ، فيستخرج منها المعاني الصّحيحة المخبّأة في عناوين الآثار . فنقول :