مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
144
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
الإيمانية لها أربع درجات ، كما للتّوحيد ؛ ( الأولى ) : المعرفة التّقليديّة وهي الجزم الحاصل من التّقليد للغير ، كإيمان الأكثر من العوام المؤمنين ، والمنحطّين عن درجة الاستدلال . ويشير إليه قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا « 1 » فإنّ الارتياب يحصل غالبا في الاقتحام في الأدلّة الجدليّة وشبهات أهل النّظر ، والمتكلّم بها قد ينجرّ إلى زوال الاطمئنان ، واختلاج الشّكوك . ثمّ قال : وبالجملة هذا الجزم كاف في صدق الإيمان وصحّة العمل . ( الثّانية ) : المعرفة العقليّة ، وهي الحاصلة من البراهين القياسيّة والأدلّة القطعيّة الحكميّة ، وإن كانت خالية عن آثاره القلبيّة وعن الإيمان بالغيب ؛ حيث أنّه تصديق من وراء حجاب ، مجرّدا عن ضياء وصفاء . ( الثّالثة ) : المعرفة القلبيّة المقترنة ببصيرة نوريّة ، ومحبّة روحانيّة ، وحالة شوقيّة ، وهي أمارة الكمال المتأثّر به القلب ، وينشرح به الصّدر ، وإليه الإشارة بقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً « 2 » ، إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا « 3 » . فالهداية السّابقة بدلالة العقل ، وهنا بنور القلب . ( الرّابعة ) : المعرفة الشّهوديّة ، وهي التّصديق الحاصل من شهود التّجليّات الإلهيّة ، والاشراقات الصّمدانيّة ، والاستغراق في بحار الأنوار الجبروتيّة ، حيث ينسلخ من إدراك الكيفيّة ونفسه ويسير إلى هذا المقام إلى آخره . وإذا عرفت هذه الدّرجات ، فاعرف أنّ درجة « العبّاس بن أمير المؤمنين عليهما السّلام » هي الرّابعة ، وهي العليا ، لأنّ الإمام عليه السّلام أثبت له أمرين ، قوّة الإيمان والبصيرة الّتي هي الدّرجة الثّالثة ، وأثبت هو لنفسه ، كما عرفت في علمه ، درجة صدق اليقين . ومعلوم أنّ من تجاوز الثّالثة ، واتّجه بسيره إلى الرّابعة وصلها بسيره الحثيث ؛ ولا خفاء على العارف أنّ المؤمن إذا سرى الإيمان في جميع جوارحه ، وأنبث في عامّة أعضائه ، وخالط لحمه ودمه ، استغرق في حبّ اللّه تعالى وفنى إحساسه في حبّ الذّات الصّمديّة ، فليس يرى في الوجود إلّا اللّه ، ولا يشعر بغير كمالاته تعالى ، فإنّ الحبّ الصّحيح يوجب الاستغراق ،
--> ( 1 ) - الحجرات : 15 . ( 2 ) - الأنفال : 2 . ( 3 ) - الأنفال : 4 .