مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية

129

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )

في العزوف عن الدّنيا ، حتّى طلّقها ثلاثا . وقد اهتمّ في أمر البغيبغة ، وعين أبي نيزر ، حتّى جعلهما وقفا لنوائب الحسن والحسين عليهما السّلام دون سائر بنيه ؛ هذه سنّة الصّلحاء وسيرة الأتقياء . فأبو الفضل العبّاس عليه السّلام أعلم من هذا الغبيّ المتمحّل والمغفّل المتكلّف لما لا يعلم ، فإنّه عليه السّلام قد سار سيرتهما ، واقتفى أثرهما ، فاهتمّ بأمر ولده الطّفل ، واحتاط في مدافعة خصمه ، وهو عمّه الشّحيح الطّامع بغير حقّ ، حتّى أنّه ترك مذهب أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام ، فسعى في حرمان ورثة أخيه الطّفل الصّغير ، والمرأة الضّعيفة الّتي بقيت بلا كاسب ، اعتداء منه عليهما وبغيا ، بعلّة أنّه الابن وأنّه العمّ ، ويتعصّب له الأمويّون أهل الجور والعدوان في حرمان ذرّيّة من حاربهم وقام بالسّيف عليهم حتّى تصبح ورثة العبّاس عليه السّلام عالة يتكفّفون . فاحتاط العبّاس عليه السّلام لهم بهذا ، ولولا ما فعله عليه السّلام ، ما قبل عمر بن عليّ المصالحة على اليسير ، ويترك ما تشبّث به في الحكم الجائر . وليس هذا ممّا ينافي الإخلاص ، أو يخلّ بالتّقوى والورع حتّى لا ينبغي أن ينسب إليه . فقد كان الزّهّاد والأتقياء يعلمون في مصالح صالحي الورثة ، بأن يوصوا لهم بحصّة معيّنة من أموالهم لتقويتهم على طاعة اللّه تعالى ، فنعم العون على طاعة اللّه المال ، وقد عرفت ما صنعه أمير المؤمنين عليه السّلام في تخصيص الحسن والحسين عليهما السّلام وقد نقلها علماء الفريقين الشّيعة والسّنّة ، ولولا الإطالة لأوردناها ، ولعلّ الكثير من القرّاء له إلمام بها واطّلاع ، وإذا كانت هذه سيرة - رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وسيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وبقيّة الأتقياء وأرباب الدّيانة ، فأيّ غضاضة في هذا الأمر الّذي أراده العبّاس عليه السّلام ، والحقّ يشهد أنّه عليه السّلام قد قصد السّنن الثّلاثة المؤكّدة في الشّريعة الإسلاميّة وهي : الشّكر والصّبر وصلة الأرحام ، لقوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . . . وقد جاء في المثل « ولد الفقيه نصف فقيه » . وأنا أقول الفقه كلّه مجتمع عنده ، ومنسوب إليه ، لأنّه ابن أعلم النّاس ، وأخواه هما أعلم النّاس وأفقههم . فهذا علم العبّاس عليه السّلام ، بالعلوم النّقليّة ، ويأتي بعضها في فصاحته .