مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
314
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
وثبات قدمه ، فيما كان قد ذكره في قضيّة رمي الصّحيفة النّازلة من السّماء إلى السّماء ، قائلا : وددت يا ربّ أن أقتل وأحيى سبعين مرّة أو سبعين ألف مرّة في طاعتك ومحبّتك . وهذا وإن كان ممّا لا يخفى على علّام الغيوب ، مع أنّ الملائكة والأنبياء النّاظرين إلى أفعاله والسّامعين أقواله كانوا يصدقونه في كلّ ما قاله ، ويطيعونه في كلّ ما أمر به غاية التّصديق ، وكمال الانقياد والإطاعة ، إلّا أنّه ، روحي له الفداء ، [ أراد ] أن يفعل شيئا يقوم مقام تفدية نفسه الشّريفة سبعين مرّة أو سبعين ألف مرّة في طاعة اللّه ومحبّته ، فبذل هذا الطّفل الصّغير في طاعة اللّه تعالى ، وفداه في محبّته ، فإنّ الآلام والأوجاع والاحتراقات الحاصلة لقلبه الشّريف ، روحي له الفداء ، بسبب شهادة هذا الطّفل على النّهج المذكور ما كانت تنقص عن آلام واحتراقات سبعين قتلة ، بل عن الإمام عليه السّلام سبعين ألف قتلة . فانظروا إليه روحي له الفداء أيّها المحبّون الموالون ، كيف دلّ المحبّين الوالهين على طريق أوضح ، ونجد أبيض في باب المحبّة ، وكيف أرى العاشقين الصّادقين إدارة كئوس العشق واللّوعة والتّروي منها مرّة بعدة مرّة ، بالاستغراق في بحر كافور الخشوع والخضوع والعبوديّة والاستكانة والذّلّة للمحبوب ، ورفع اليد بالكلّيّة في ابتغاء رضاه عن شراشر وجوده ووجود ما يتعلّق به . ثمّ انظروا إلى حالته الأخرى ، روحي له الفداء ، حيث قد ملأ يديه ونثرها ، أي رمى بها نحو السّماء ، ما أحسن هذه المحبّة ! وأتمّ تلك اللّوعة ! وأكمل محوضة ذلك الفناء في اللّه ! وما ألطف دقايق الأسرار في هذا المضمار ! فإنّ أعظم ما ينثر في تلك الضّيافة الرّحمانيّة ، وأشرف ما يبذل في الدّعوة الحقّانيّة ، هو أمثال تلك الدّماء الطّاهرات المباركات . ومن التّأمّل في هذه الأسرار المذكورة يعلم أيضا سرّ عدم نزول قطرة من هذا الدّماء من السّماء إلى الأرض ، وكيف لا ، فإنّ قطرة واحدة منها بمنزلة ألف ألف شاهد في صدق الدّعوى ، فمثل هذه الهديّة الحسينيّة المنبعثة عن فرط المحبّة ومحوضة الفناء في اللّه المبعوثة إلى مأدبة الحضرة الرّحمانيّة الإلهيّة ، لا يكون إلّا من ذخائر كنوز العرش والكرسيّ ، فلو خصّص اللّه تعالى أحدا من حملة عرشه ، وسكّان كرسيّه ، بذروة من شموس هذه الدّماء ، أو بمقدار ما يكتحل به ، لكان مكرّما بنعمة ليس فوقها نعمة ،