السيد محمد تقي المدرسي
77
من هدى القرآن
بعضهم : إن معنى الآية أن الفجار يدخلون الجحيم يوم الدين ، وإنما ذكر ذلك بصورة قاطعة وكأنه واقع اليوم لأن الوعيد يأتي من السلطان المقتدر والذي لا يعجزه شيء ولا يحجزه عما يريده أحد . [ 16 ] ولا يقدر أحد منهم أن ينتقل من الجحيم أو حتى يغيب عنها ساعة وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ . قال بعضهم : الآية تدل على خلودهم في جنهم ، فإذن معنى الفجار - هنا - المعاندون . والآية ليست صريحة في هذا المعنى بل في أنهم عند دخلوهم الجحيم ومدة مكثهم فيه لا يغيبون عنها ، والله العالم . ونقل الرازي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ما يلي : [ النَّعِيْمُ المَعْرِفَةُ وَالمُشَاهَدَةُ ، وَالجَحِيْمُ ظُلُمَاتُ الشَّهَوَاتِ ] « 1 » وهذا ينطبق على التفسير الأول . [ 17 ] ليست قدراتنا العلمية في مستوى الإحاطة علما بأحداث ذلك اليوم الرهيب ، لأنه يوم يختلف كل شيء فيه تقريبا عن هذا اليوم وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ إنه يوم رهيب ، لابد أن نسعى جاهدين لنتصوره عسانا نتقي اليوم أهواله ، وحينئذ نعرف أن الفائزين هم الذين انخلعت قلوبهم عن شهوات الدنيا وأحداثها ، وعاشوا ذلك اليوم ، وعملوا له ليل نهار . [ 18 ] قد يغيب علم شيء عنا بسبب قلة ظهوره أو عدم الالتفات إليه ، إلا أن غياب الإنسان عن علم الآخرة بسبب آخر ، هو : تسامي مستواه عن مستوى إدراكنا ، ولعل هذا هو المراد بقوله سبحانه : ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ما بالك بيوم تهابه السماوات ، وتشفق منه الجبال ، وتضج من هوله الأرض ، ويخشاه حتى الملائكة المقربون ، ويحذره الأنبياء والصديقون ! أولا ينبغي أن نتقيه ؟ . [ 19 ] في ذلك اليوم يقف الإنسان منفردا أمام رب السماوات والأرض ، ولا أحد بقادر على الدفاع عنه ، أو الشفاعة له إلا بإذنه يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ، بل الإنسان مسؤول عن عمله . وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ فهناك لا يخول الله أحدا شيئا كما خولهم اليوم ، ولا يملك أحدا من عباده أمرا ، بل الأمر كله له ظاهرا وباطنا . وفي ذلك اليوم يظهر التوحيد الإلهي لكل إنسان ، فلا أحد يستطيع أن يفكر في أن غير الله يملك من أمره شيئا كما هو يزعم ذلك في الدنيا . روي عن أبي جعفر ( الباقر ) عليه السلامأنه قال لجابر بن يزيد الجعفي : [ إِنَّ الْأَمْرَ يَوْمَئِذٍ وَالْيَوْمَ كُلَّهُ لِلَّهِ . يَا جَابِرُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَادَتِ الْحُكَّامُ فَلَمْ يَبْقَ حَاكِمٌ إِلَّا الله ] « 2 » .
--> ( 1 ) التفسير الكبير : ج 31 ، ص 85 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 7 ص 95 .