السيد محمد تقي المدرسي
73
من هدى القرآن
* غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال آخر « 1 » : يا من علا في العجب والتيه * وغره طول تماديه * أملى لك الله فبارزته ولم تخف غب معاصيه وللمحقق الحلي رحمه الله شعر بديع يقول فيه « 2 » : يا راقدا والمنايا غير راقدة * وغافلا وسهام الليل ترميه والدهر قد ملأ الأسماع داعيه * بم اغترارك والأيام مرصدة أما أرتك الليالي قبح دخلتها * وغدرها بالذي كانت تصافيه رفقا بنفسك يا مغرور إن لها * يوما تشيب النواصي من دواهيه [ 7 ] حينما يعي الإنسان نفسه ، ويعرف بدايته ، وكيف تقلب في يد القدرة طورا فطورا ، وتذكر أنه كان نطفة مهينة ، يقذفها مبال في مبال ، ويستقذرها صاحبها أيما استقذار ، ثم جعل الله تلك النطفة التي خلقها بعظمته رجلًا سويًّا ذا أعضاء يكمل بعضها بعضا ، وفي نظام عظيم لم يسع العلم الإحاطة به ، بالرغم من الموسوعات الكبيرة التي كتبت حوله . . هذا التكامل الذي يبدأ من تكامل اليد والرجل والأذن وسائر الجوارح ومدى تناسق أدوارها ، وينتهي بتكامل كل خلية في الجسم مع سائر الخلايا ، ضمن قيادة حازمة من أعصاب المخ وخلاياه ومن الغدد المنتشرة في أطرافه . ثم مضافا إلى الخلق يجد الإنسان ذلك التناسق بينه وبين الخليقة من حوله ، كيف يتكيف جسمه مع الحر والبرد ، والخشونة والليونة ، ومع مختلف الطعام والشراب ، وكيف يتعامل مع سائر الأحياء ابتداء من الوحوش الضارية وانتهاء بالجراثيم الفتاكة . . وقد جعل الله للإنسان القدرة على التكيف والتفوق ثم تسخير الطبيعة . أقول : حينما نعي كل ذلك أولسنا نرى كرم ربنا وحكمته ؟ فلماذا الغرور والتمادي في معصيته ؟ ! الَّذِي خَلَقَكَ أفلم نكن عدما فأنشأنا لا من شيء كان ، بلا تعب ولا لغوب ، ولا مثل سابق يحتذى ، وخريطة تنفذ ؟ فَسَوَّاكَ فلم يجعل تقدير خلقك ناقصا ، بل زودك بما تحتاجه بأفضل ما تحتاجه . ألم يجعل لك عينين ولسان وشفتين ؟ وإذا أنعمنا النظر رأينا هذه
--> ( 1 ) الشاعر : أبو بكر الأبهري ، راجع : تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 246 . ( 2 ) أمل الآمل للحر العاملي : ج 2 ، ص 51 .