السيد محمد تقي المدرسي
62
من هدى القرآن
أفعالهم ، كما كان يعتقد الجاهليون العرب قبل الإسلام ، ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ، وكان ذلك منشأ عبادتهم للأصنام التي كان بعضها يرمز إلى الملائكة . [ 22 ] وإذا كانت الرسالة من الله وعبر رسول كريم تتجلى كرامته في قوته وأمانته ، فإن من يتلقاها يكون في ذروة الحكمة والمعرفة ، وهذا تفسير ما يقوله الرسول مما لا يحتمله الناس من حقائق مغيبة ، فيزعمون أنه مجنون كلا . . إنه رسول عظيم ، رفيع المجد ، سني المقام ، والذين كفروا به لا يفقهون . وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وفرق كبير بين الرسول والمجنون ، فالمجنون يترك عادات مجتمعه إلى الفوضى ، والرسول يتركها لما هو أحسن منها ، والمجنون يتحدى سلطات مجتمعه لغير هدف ، والرسول يتحداها لصنع مجتمع أفضل ، والمجنون لا يتبع مصالحه بغير هدى ، والرسول يتركها للصالح العام . ثم أليس الرسول صاحبهم الذين عرفوه منذ نعومة أظفاره حكيما راشدا صادقا أمينا ، أفلم يعلموا أنه ليس بمجنون ؟ ! بلى ، ولكن الأمم جميعا اتهمت رسلها بالجنون حسب ما يبين القرآن الكريم ويقول : كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [ الذاريات : 52 ] . [ 23 ] ولم تكن العلاقة بين الرسول صلى الله عليه وآله وجبرائيل عليه السلام غامضة أو مشوشة . كلا . . إنه رآه وبوضوح كاف عبر الأفق المبين وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وما زاغ عن البصر وما طغى ، وما كانت وسوسات القلب ، أو أحلام اليقظة أو ما أشبه ، لقد كان النبي في قمة وعيه ، وكامل عقله حين تلقى الوحي من عند الله . قالوا : الأفق المبين بمطلع الشمس قبل المغرب ، ويبدو أن المراد الجهة الصافية التي لا حجاب فيها ولا غبار . وقال البعض : إن النبي صلى الله عليه وآله رأى جبرائيل في صورته الأصيلة ، قد سد بين المشرق والمغرب ، رأسه في السماء ورجلاه في الأرض ، فلم يحتمل رؤيته ، فقال له جبرائيل : [ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَ إِسْرَافِيْلَ وَرَأْسَهُ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ وَرِجْلَاهُ في تُخُومِ الأَرْضِ السَّابِعَةِ ، وَإِنَّ العَرْشِ عَلَى كَاهِلِهِ ، وَإِنَّهُ لَيُضَاءَلُ أَحْيَاناً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الوَصْعِ - يعني العصفور - حَتَّى مَا يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ إِلَّا عَظَمَتُهُ ] « 1 » . [ 24 ] ومن علائم الرسل أنهم واضحون مع الأمم يفصحون لهم عن علومهم ومعارفهم ، دون أن يطالبوهم بأجر وليسوا كما السحرة والكهنة ممن يبخلون عن الناس بما يعلمون حتى يتفضلوا عليهم ، وليسوا كما سائر العلماء الذين يطالبون على عملهم أجرا . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ قالوا : ضننت بالشيء أضن : أي بخلت ، وقرأ بعضهم بالظاء ، وقالوا معناه : بمتهم . [ 25 ] يختلف قول الشيطان عن وحي الرحمن اختلافا كبيرا في الأهداف والوسائل ، فبينما
--> ( 1 ) انظر تفسير القرطبي : ج 19 ص 241 .