السيد محمد تقي المدرسي
425
من هدى القرآن
الشمس ، وقد تكون حقيقته قوة الروح عند الساحر ، أو استخدامه للأرواح الشريرة ، وأنى كان فإن الاستسلام للسحر ولتأثيراته لا يجوز ، بل ينبغي تحديه بالتوكل على الله والاستعاذة منه ، فإنه وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ طه : 69 ] ، وإن تأثيره على الإنسان يعتمد الإيمان يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [ طه : 66 ] . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ قديما كانت العجائز يمتهنَّ السحر ، ويخدعن الناس وبالذات النساء ، وكانت هذه الحالة تبعث الخشية في نفوس الكثير مما اقتضى الاستعاذة بالله منهن . وقد قال بعض المفسرين : أن المراد بالنفاثات في العقد : اللاتي ينفثن بأفكارهنَّ السلبية في عقد العزيمة للرجال ، والمعنى يتسع للنفث في العقد أي الذين يصنعون الفتن ، ويفتشون عن مواطنها وهي نائمة فيذكونها سواء في السياسة والاجتماع والثقافة ، ف النَّفَّاثَاتِ ليس مختص بالنساء كأنه على غرار ( علَّامة ) أو بتقدير مؤنث يشمل الرجال مثل النفوس الشريرة . إلا إن أكثر المفسرين رأوا أن المراد بها الساحرات ، وهذا قريب من سبب النزول المذكور لهذه السورة ، على أن ما ورد من روايات في ذلك غير مؤكدة ، لأنها تخالف نزول السورة في مكة ، كما أنها تخالف عصمة الرسول ، وأنه صلى الله عليه وآله بريء من السحر ومحفوظ منه . [ 5 ] قد تكون للأخطار التي تتوجه إلى الإنسان أسباب معقولة لو تنبه لها استطاع أن يتجنبها ، إلا الحسد فإن سببه حالة في نفس صاحبه ، ومن الصعب تجنبه في الوقت الذي يشكل سبباً رئيسياً لمشاكل الإنسان وللأخطار التي تحدق به ، ولكن هل يعني ذلك التراجع عن العمل وعن الانتفاع بنعم الله والتقدم والرقي لمجرد أن هناك من يحسدني . كلا . . بل ينبغي الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من الحاسد وبالذات عندما يحسد وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ فقد يصرف الله الحاسد عن تحويل حسده إلى عمل عدائي ، لأن الحسد مرفوع عن الإنسان إن لم يظهره بقول أو فعل ولا يخلو الإنسان من حسد ، إلا إن أغلب الناس ينصرفون عن الحسد إلى الغبطة والتنافس لما يعلمونه من ضرر الحسد على أنفسهم قبل من يحسدون ، حتى قيل : [ لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد ] « 1 » . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله : [ وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغ ] « 2 » . والحسد كان سبب رفض إبليس السجود لآدم ، كما أنه كان سبب أول جريمة وقعت على الأرض إذ قتل قابيل أخاه هابيل حسدا . نستعيذ بالله من شر الحسد وشر من يحمله .
--> ( 1 ) جامع الجوامع ، للشيخ الطبرسي : ج 3 ، ص 879 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 155 .