السيد محمد تقي المدرسي

388

من هدى القرآن

سوح الصراع معهم . [ 2 ] ورفض المجتمع الجاهلي ، وهدم كيانه الظالم لا يكون إلا برفض مقدساته وقيمه ، وما يعبدونه من دون الله ، رفض تقديس الآباء الذي يعني الجمود والتقليد والاسترسال ، رفض تقديس الأرض والمصالح العشائرية والطائفية والحزبية والإقليمية والقومية ، رفض الثقافات والشرائع الباطلة التي أضفوا عليها القداسة . كلا . . لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ذكر الرواة : أن سادة قريش لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : يا محمد ! هلم فلنعبد ما تعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شاركناك فيه وأخذنا بحظنا منه ، وان كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه ، فأنزل الله عز وجل قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ « 1 » وأضيف - في رواية أخرى - فيئسوا منه ، وآذوه وآذوا أصحابه . ومعروف : أن الآية أوسع دلالة من تلك الواقعة ، فإن نفي عبادة الرسول لما يعبدون يشمل تحديه لمجمل قيمهم الجاهلية ، وكياناتهم الظالمة . وكلمة مَا في قوله : مَا تَعْبُدُونَ يشمل كل شيء يعبد من دون الله ، سواء تمثل في أشخاص أو أصنام أو قيم وهكذا كان نفي مَا أشد وضوحا وأشمل من نفي [ من ] وتدل على غير العاقل . [ 3 ] هل يشترك الكافرون في أمر العبادة مع المؤمنين شيئا ؟ كلا . . إنهم يعبدون إلها يختلف كليا عن رب العالمين الذي يعبده المؤمنون . أولئك يعبدون ربا عاجزا أمام قوة الشركاء ، محتاجا إلى دعم الأنداد ، لا يهيمن على تدبير الكائنات ، بينما المؤمنون يعبدون ربا قوياً مقتدراً ، لا يعجزه شيء ، رباً جباراً مهيمناً مدبراً . فليس ما يعبده الكافرون هو ما يعبده المؤمنون ، بل إنه لمختلف جدا . وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وأنى لقلب واحد أن يجتمع فيه معرفة الله المتكبر الجبار مع الإيمان بالجبت والطاغوت ، أو هل يجتمع النور والظلام ؟ ! . [ 4 ] والذي يعبد الجبت والطاغوت ولا يتحدى سلطة المستكبرين ، وقيم الجاهلين لا يكون عابداً لله ، وحاشا رسول الله ولمن اتبع هداه أن يختاروا الكفر بعد الإيمان ، والضلال بعد الهدى ، حتى لو تعرضوا الألوان العذاب . وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ إن من علامة صدق الإيمان ، وأنه وقر مستقر في فؤاد صاحبه أنه يعقد عزمات قلبه على تحدي كل الضغوط في سبيله حتى يأتيه اليقين ، فيلقى ربه بإيمان لا ظلم فيه ، وإسلام لا استكبار معه . وإلا فإن كل الناس حتى أسوأ الجاحدين يمرون عادة بلحظات إيمانية ، أوليسوا يولدون على فطرة الإيمان ، أو لا ترى كيف يجأرون إلى ربهم في البأساء والضراء ؟ بلى ، ولكنهم سرعان ما يشركون بربهم بسبب

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 225 .